شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

رحيل الشيخ الحويني بين حزن دعاة السُّنة وشماتة الطاعنين فيها

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ففي 2010 ميلادية، سافر الشيخ "الحويني" -رحمه الله- للعلاج في ألمانيا، واستثمر وجوده هناك في محاضرات دعوية كان من نتيجتها إسلام بعض مَن حضرها -بحمد الله تعالى-؛ فكتب "خالد منتصر" مقالًا كسائر مقالاته فيه طعن في السُّنة؛ لا سيما ما ورد فيها بخصوص الطب، وطعن في الشيخ الحويني، واعتبره متناقضًا حيث يبيِّن كفر مَن لم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، بينما لما احتاج إلى التطبب ذهب إلى مَن يكفرهم.

وقد كنتُ أكتب في ذلك الوقت مقالات في موقع "صوت السلف" تحت إشراف الشيخ "ياسر برهامي"، ومن خلال هذه المقالات كنت أعلِّق على كثيرٍ مما نراه جديرًا بالتعليق.

ولا شك أن كلام خالد منتصر كان يحتاج إلى الرد مناصرة للشيخ أبي إسحاق؛ فهذا من حقه علينا، وكذلك تفنيد شبهات خالد منتصر، فكتبت مقالة بعنوان: "الشيخ الحويني في ألمانيا.. مريض بالبدن طبيب للقلب"، نشرت في 19-06-2010م.

والآن، وبعد مرور خمسة عشر عامًا على هذه الحادثة، وقد توفي الشيخ -رحمه الله-، ولا جديد... فكارهو السنة ذكَّروا الناس بمواقفه التي يرونها -بعيونهم المنحرفة- انحرافًا!

فها هو رجل شيعي يقول: كان يحذِّر منا ويقول: إننا نعبد الحسين و...!

وبعض العالمانيين يشمت فيه قائلين: "ها هو قد مات!".

ولا ندري متى ادَّعى أحدٌ أن الدعاة لا يموتون، أو أن مَن يدافع عن السنة النبوية لا يموت، مع أن صاحب السنة نفسه محمد -صلى الله عليه وسلم- قد مات، وأنزل ربه عليه قبل وفاته: ( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ) (الزمر: 30) .

وكل هؤلاء لا ينقمون على الشيخ الحويني شيئًا إلا دفاعه عن السنة.

وأما من يحب السنة فأحبوا الشيخ لحبهم للسنة ولصاحبها -عليه أفضل الصلاة والسلام-، فكانوا مع مرض الشيخ يدعون الله له بالشفاء، وفي وفاته دعوا الله له بالرحمة والمغفرة.

وكانت تلك اللفتة الطيبة من الأزهر بنشر تعزية كريمة في الشيخ لتبيِّن أن المنهج الذي ينتهجه بعض منسوبي الأزهر من التهوين من الخلاف مع الشيعة والمعتزلة، بل ومع الملل الأخرى، وسوء فهم قوله -تعالى-: ( لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) (الممتحنة: 8) ؛ فيدعون أنه يعني: السكوت عن بيان أن الله لن يقبل من أحد إلا الإسلام؛ كما قال -تعالى-: ( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ) (آل عمران: 85) ، ويدعون أن هذه الآية الآمرة بالبر والقسط تأمر أيضًا بالمحبة؛ رغم أن هذه الأخيرة مأمور بقصرها على المؤمنين كما قال -تعالى-: ( لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ) (المجادلة: 22) .

ورغم كل هذا الإفراط في التسامح مع الملل الأخرى ومع بدع شديدة الانحراف؛ نجدهم يبالغون في إظهار العداوة لأصحاب المنهج السلفي لرفضه لتأويلات المتكلمين التي حدثت بعد القرون الفاضلة، ولرفضه لخرافات التصوف التي كانت دائمًا سببًا في تراجع الأمة دينيًّا وحضاريًّا.

ومن ثم رأيتُ بعد هذه المقدمة أن أصبِّر محبي الشيخ، وأرد على كارهيه بإعادة نشر المقال القديم؛ فما فيه من التنويه بجهد الشيخ الحويني -رحمه الله- في العلم والدعوة أمر جدير بالتذكير به، وما فيه من الرد على العالمانيين وشبهاتهم حول الشريعة بصفة عامة -والسنة بصفة خاصة-؛ أمر نسأل الله أن يجعل لنا منه نصيبًا، وإن كان على قدرنا، فحسبنا أن نشارك مشايخنا في هذا الباب جهدهم.

وبحسب المعاصرين ككل أن يسيروا على درب الشافعي وابن حنبل، وابن قتيبة، وابن تيمية وابن القيم، والمعلمي اليماني والألباني وأبي شهبة، وغيرهم ممَّن ردوا على شبهات الفلاسفة والزنادقة والمستشرقين والعالمانيين حول سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

"الشيخ الحويني في ألمانيا.. مريض بالبدن طبيب للقلب

كتبه/ عبد المنعم الشحات

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فكثيرًا ما تقرأ في تراجم السَّلف أن فلانًا كان رجل عامة، وأن فلانًا كان رجل خاصة؛ وذلك لأن المُشتغِل بخطاب العامة غالبًا ما يتشرَّب حب البسط والإيضاح والإسهاب ممَّا قد لا يُرضي نهم طلبة العلم، وبالعكس فإن المشتغل بضبط العلوم وتحقيق المسائل غالبًا ما يورثه هذا ميلًا إلى تغليب جانب الرصانة على جانب الإيضاح، وربما احتاج إلى شيء من الشدة على طلبة العلم متى استصحبها في خطاب العامة لم يتقبلوا ذلك منه.

وقَلَّ من يستطيع أن يجمع بين الشخصيتين، ومِن هؤلاء القلة في زماننا "الشيخ الحويني" -حفظه الله-؛ فعلى الرغم من تخصصه في علم الحديث -وهو علم اشتهر المشتغلون به أكثر من غيرهم بشيء من الحِدَّة على طلابهم-؛ إلا أنه مع ذلك رجل عامة من الطراز الأول، لا يكاد يمل العامة من حديثه.

وهو مع ذلك صادع بالحق، لا يمالئ أحدًا، ولا يخشى أن يصدم جمهوره بما يخالف الإلف والعادة طالما كان موافقًا للحق والدليل، وحتى عندما ظهرت الفضائيات الإسلامية -حفظها الله-، وأصبحت الحسابات أكثر تعقيدًا؛ لاتساع دائرة المشاهدين، وتنوع ثقافاتهم، ولغير ذلك من الأمور؛ حافظ الشيخ على خطاب سلفي متزن -بحمد الله تعالى-.

وهو ما ندعو سائر المشايخ الكرام الذين يظهرون على الفضائيات -والذين نحبهم ونجلهم، ونغار على الحق وعليهم- أن يتعاونوا عليه، وأن يقتدي بعضهم ببعض فيه.

وكما هو متوقع؛ فعلى مقدار القبول الذي يلقاه العبد عند الصالحين والمحبين للخير؛ على مقدار العداوة التي يلقاها من دعاة التغريب والعلمنة، والخضوع والخنوع والاستسلام، والذوبان في الآخر الذي يسمونه: "قبول الآخر"! بالضبط كما يُسمي "الآخرُ" الخمرَ: "مشروبات روحية"؛ فيتابعونه على ذلك!

الصفحة التالية