شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

رحيل الشيخ الحويني بين حزن دعاة السُّنة وشماتة الطاعنين فيها

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

ومن المعلوم أن "الشيخ الحويني" -حفظه الله- قد سافر إلى ألمانيا؛ لتلقي العلاج من مضاعفات مرض السكر، نسأل الله أن يشفيه ويعافيه ويرده إلى طلابه ومنبره سالمًا، اللهم آمين.

استثمر أحدهم (1) ذلك الحدث ليطعن في ثوابت الدين التي يدعو إليها "الشيخ الحويني" وعامة الدعاة إلى منهج السلف -بحمد الله-؛ ألا وهي: قضية "الولاء والبراء"، والتي تعتبر في حسِّ ذلك الرجل داءً أشد فتكًا من داء السكر الذي تمنى شفاء الشيخ منه، ولكنه تمنى شفاءه مما هو أعظم؛ وهو: "داء الكراهية!"، كما لم يفته أن يوظِّف هذا الموقف في التأكيد على اتسام الإنسان الغربي بالأمانة، ويقظة الضمير، والمهارة الطبية، والعلمية.

ولم يفُته أيضًا أن يلمز السنة عن طريق لمز العلاج بالحجامة، بل لَمَزَ العلاج بعسل النحل أيضًا رغم أنه مذكور في القرآن!

كما أنه حاول أن يقلل من شأن أخبار إسلام عددٍ من الألمان على يد الشيخ في هذه الرحلة العلاجية؛ مدعيًا أن بلاد الغرب هي بلاد الحرية، ومن ثمَّ يوجد في كل يوم عدد كبير من المتحولين إلى البوذية، وعبادة الهرم، وعبادة القمر!

ولعل هذه الجزئية كانت السبب الرئيسي في تهافت المواقع التنصيرية على نقل هذا المقال مع أنه مِن المفترض أنه يمثل نداءً من صحفي مسلم إلى داعية مسلم!

وبادئ ذي بدء نود أن نقول: إنه إذا كان ذلك الصحفي قد رمى الشيخ الحويني ومِن ورائِه كل من يدين لله -تعالى- بهذه المبادئ بأنهم مرضى بداء "التعصب والكراهية"؛ فإننا بدورنا نرميه ومِن ورائه كل متغرب بداء "الوهن والتبعية، والخضوع والخنوع" إلى غير ذلك من الألفاظ التي يستحقها ذلك المرض.

والشأن في أمراض القلب والفكر عجيب؛ حيث يتصور كل واحد أن ما يراه من آراء تمثل "حال الصحة"، وما ينحرف عنها يمثل "حال المرض"، وبالتالي يعتبر كلُّ طرفٍ الطرفَ الآخر مريضًا بالمرض المضاد لاتجاهه؛ فيرانا هو "متعصبين"، ونراه نحن "متميعًا ذائبًا في غيره"، ومن هنا تكمن الحاجة الماسة إلى وجود مرجعية تُستمد منها "المناهج الصحيحة"، ويُعتبر كلُّ ما خالفها مرضًا يستوجب علاجًا شافيًا.

وطالما أن الكاتب الذي نحن بصدد مناقشته مسلمًا؛ فإن مقتضى ذلك أن تكون مرجعيته العليا هي: "كتاب الله" و"سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-"، وأما إذا كان للكاتب رأي آخر؛ فهذا أيضًا له مجال آخر، ولنجمل النقاط التي أثارها هذا الكاتب وأدلتها من الكتاب والسُّنة:

أولًا: الموقف من الكفار -ومنهم: اليهود والنصارى- يمكن تلخيص عناصره فيما يأتي:

1- لا يجوز حبهم ولا توليهم: قال الله -تعالى-: ( لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ) (المجادلة:22) ، وقال: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ) (المائدة:51) .

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَوْثَقُ عُرَى الإِيمَانِ: الْحُبُّ فِي اللَّهِ، وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ ) (رواه الطبراني وابن أبي شيبة، وصححه الألباني) .

2- يجب معاملة المسالمين منهم بالعدل والإحسان: قال الله -تعالى-: ( لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) (الممتحنة:8) ، ويدخل في ذلك جواز البيع والشراء، وجواز الإجارة معهم، ومنها: التطبب عند أطبائهم.

3- هل جاء في الإسلام ما يدل على أن كل تعاملات الكافر مبناها على الخيانة؟

الأصل في الكافر أنه يخون المسلم ما استطاع إلى ذلك سبيلًا؛ كما قال -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ) (آل عمران:118) ؛ بيد أنه قد يوجد مِنَ الكفار مَنْ عنده أمانة لسببٍ أو لآخر، فلا بأس بمعاملته في شئون الدنيا؛ فقد ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- اسـتأجر دليلاً كافرًا في الهجرة؛ فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلاً مِنْ بَنِي الدِّيلِ هَادِيًا خِرِّيتًا وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلاثِ لَيَالٍ بِرَاحِلَتَيْهِمَا صُبْحَ ثَلاثٍ" (رواه البخاري) .

وقال -تعالى-: ( وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ) (آل عمران:75) .

4- عند التعامل مع مثل هذا الكافر الأمين يكافأ على أمانته ويُشكر عليها، وتخصيص الشيخ الإخوة الأطباء المسلمين بالشكر أظن -والله أعلم-؛ لأنهم يتابعونه متطوِّعين؛ فلزم شكرهم مصداقـًا لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ ) (رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وصححه الألباني) .

وأما الأطباء الكفار فالشيخ كافأهم بأجرهم المادي (2) ، أو شكرهم شكرًا بينه وبينهم على قَدر معروفهم دون أن يشكرهم على الملأ، وهو أمر لعل الشيخ قد خشي من أن يستخدمه أحدٌ في "نقض قضية الولاء والبراء"، ولك أن تتخيل لو كان الشيخ قد شكر أطباءه من الكفار ماذا كان سيكتب لنا صاحبنا هذا؟ غالب الظن أنه سوف يقول: "الآن وبعد أن أسدوا إليك المعروف تمدحهم وتثني عليهم!"، إلى غير ذلك...!

ثانيًا: العلاج بالحجامة وعسل النحل:

الصفحة السابقة الصفحة التالية