غزوة بدر الكبرى في القرآن الكريم (2-2)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
- وقال -تعالى-: ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) (الأنفال: 41) .
قال السعدي -رحمه الله-: "يقول -تعالى- ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ ) أي: أخذتم من مال الكفار قهرًا بحق قليلاً كان أو كثيرًا ( فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ) أي: وباقيه لكم، لأنه أضاف الغنيمة إليهم وأخرج منها خمسها فدل على أن الباقي لهم، يقسم على ما قسمه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: للراجل سهم، وللفارس سهمان لفرسه وسهم له. وأما الخمس فيقسم خمسة أسهم، سهم لله ولرسوله، يصرف في مصالح المسلمين العامة من غير تعيين مصلحة؛ لأن الله جعله له ولرسوله، ولله ورسوله غنيان عنه فعلم أنه لعباد الله، فإذا لم يعين الله له مصرف دل على أن مصرفه للمصالح العامة. والخمس الثاني لذي القربى؛ وهم: قرابة النبي -صلى الله عليه وسلم- من بني هاشم وبني المطلب، وأضافه الله إلى القرابة دليلًا على أن العلة فيه مجرد القرابة، فيستوي فيه غنيهم وفقيرهم ذكرهم وأنثاهم. والخمس الثالث لليتامى، وهم الذين فقدوا آباءهم وهم صغار، جعل الله لهم خمس الخمس رحمة بهم، حيث كانوا عاجزين عن القيام بمصالحهم، وقد فقدوا من يقوم بمصالحهم. والخمس الرابع للمساكين، أي: المحتاجين الفقراء من صغار وكبار، ذكور وإناث. والخمس الخامس لابن السبيل، وهو الغريب المنقطع به في غير بلده".
"ولا يلزم أن يكونوا فيه على السواء، بل ذلك تبع للمصلحة، وهذا هو الأولى. وجعل الله أداء الخمس على وجهه شرطًا للإيمان، فقال: ( إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ ) وهو يوم بدر، الذي فرق الله به بين الحق والباطل، وأظهر الحق، وأبطل الباطل ( يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ) جمع المسلمين وجمع الكفار، أي: إن كان إيمانكم بالله وبالحق الذي أنزله الله على رسوله يوم الفرقان، الذي حصل فيه من الآيات والبراهين ما دل على أن ما جاء به هو الحق ( وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) لا يغالبه أحد إلا غلبه".
- وفي التحذير من الغلول: قال الله -تعالى-: ( وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ) (آل عمران: 161) . قال قتادة والربيع بن أنس: نزلت هذه الآية يوم بدر، وقد غل بعض الصحابة. والآية تهديد شديد ووعيد أكيد، وقد وردت السنة بالنهي عن ذلك أيضًا في أحاديث متعددة.
قال السعدي -رحمه الله-: "الغلول: هو الكتمان من الغنيمة، والخيانة في كل مال يتولاه الإنسان، وهو محرم إجماعًا، بل هو من الكبائر"، "فأخبر الله -تعالى- أنه لا ينبغي ولا يليق بنبي أن يغل؛ لأن الغلول -كما علمت- من أعظم الذنوب وأشر العيوب وقد صان الله أنبياءه عن كل ما يدنسهم ويقدح فيهم، وجعلهم أفضل العالمين أخلاقًا، وأطهرهم نفوسًا، وأزكاهم وأطيبهم"، "ولذلك أتى بصيغة يمتنع معها وجود الغل منهم، فقال: ( وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ) أي: يمتنع ذلك ويستحيل على من اختارهم الله لنبوته. ثم ذكر الوعيد على من غل، فقال: ( وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) أي: يأتي به حامله على ظهره، حيوانًا كان أو متاعًا، أو غير ذلك يعذب به يوم القيامة ( ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ ) الغال وغيره، كل يوفى أجره ووزره على مقدار كسبه ( وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ) أي: لا يزاد في سيئاتهم، ولا يهضمون شيئًا من حسناتهم. وتأمل حسن هذا الاحتراز في هذه الآية الكريمة، لما ذكر عقوبة الغال وأنه يأتي يوم القيامة بما غله، ولما أراد أن يذكر توفيته وجزاءه، وكان الاقتصار على الغال -يوهم بالمفهوم- أن غيره قد لا يوفون -أتى بلفظ عام جامع له ولغيره".
وفي شأن أسارى المشركين يوم بدر:
- قال -تعالى-: ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ . فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (الأنفال: 67-71) .
