غزوة بدر الكبرى في القرآن الكريم (2-2)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
قال السعدي -رحمه الله-: "هذه معاتبة من الله لرسوله وللمؤمنين يوم بدر إذ أسروا المشركين وأبقوهم لأجل الفداء. وكان رأي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في هذه الحال قتلهم واستئصالهم، فقال -تعالى-: ( مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ) أي: ما ينبغي ولا يليق به إن قاتل الكفار الذين يريدون أن يطفئوا نور الله ويسعوا لإخماد دينه وألا يبقى على وجه الأرض من يعبد الله، أن يتسرع إلى أسرهم وإبقائهم لأجل الفداء الذي يحصل منهم، وهو عرض قليل بالنسبة إلى المصلحة المقتضية لإبادتهم وإبطال شرهم، فما دام لهم شر وصولة فالأوفق أن لا يؤسروا. فإذا أثخن في الأرض وبطل شرهم واضمحل أمرهم، فحينئذ لا بأس بأخذ الأسرى منهم وإبقائهم. يقول -تعالى-: ( تُرِيدُونَ ) بأخذكم الفداء وإبقائهم ( عَرَضَ الدُّنْيَا ) أي: لا لمصلحة تعود إلى دينكم. ( وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ) بإعزاز دينه ونصر أوليائه وجعل أمتهم عالية فوق غيرهم، فيأمركم بما يوصل إلى ذلك. ( وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) أي: كامل العزة، ولو شاء أن ينتصر من الكفار دون قتال لفعل، لكنه حكيم يبتلي بعضكم ببعض ( لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ ) به القضاء والقدر أنه قد أحل لكم الغنائم، وأن الله رفع عنكم -أيها الأمة- العذاب ( لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ).
( فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا ) هذا من لطف الله -تعالى- بهذه الأمة، أن أحل لها الغنائم ولم يحلها لأمة قبلها، ( وَاتَّقُوا اللهَ ) في جميع أموركم ولازموها شكرًا لنعم الله عليكم، ( إِنَّ اللهَ غَفُورٌ ) يغفر لمن تاب إليه جميع الذنوب، ويغفر لمن لم يشرك به شيئًا جميع المعاصي ( رَحِيمٌ ) بكم، حيث أباح لكم الغنائم وجعلها حلالاً طيبًا".
وفي قوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى ) (الأنفال: 70) .
قال السعدي -رحمه الله-: "وهذه نزلت في أسارى يوم بدر، وكان في جملتهم العباس عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلما طلب منه الفداء ادعى أنه أسلم قبل ذلك فلم يسقطوا عنه الفداء، فأنزل الله جبرًا لخاطره ومن كان على مثل حاله: ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ ) أي: من المال، بأن ييسر لكم من فضله خيرًا وأكثر مما أخذ منكم ( وَيَغْفِرْ لَكُمْ ) ذنوبكم ويدخلكم الجنة. وقد أنجز الله وعده للعباس وغيره، فحصل له -بعد ذلك- من المال شيء كثير، حتى إنه مرة لما قدم على النبي -صلى الله عليه وسلم- مال كثير أتاه العباس فأمره أن يأخذ منه بثوبه ما يطيق حمله، فأخذ منه ما كاد أن يعجز عن حمله. ( وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ ) في السعي لحربك ومنابذتك، ( فَقَدْ خَانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ ) فليحذروا خيانتك، فإنه -تعالى- قادر عليهم، وهم تحت قبضته، ( وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) أي: عليم بكل شيء، حكيم يضع الأشياء مواضعها، ومن علمه وحكمته أن شرع لكم هذه الأحكام الجليلة الجميلة، وأن تكفل بكفايتكم شأن الأسرى وشرهم إن أرادوا خيانة".
وفي مخاطبة الكافرين بعد المعركة:
- قال -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ . لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ . قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ . وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) (الأنفال: 36-40) .
قال السعدي -رحمه الله-: "يقول -تعالى- مبينًا لعداوة المشركين وكيدهم ومكرهم ومبارزتهم لله ولرسوله، وسعيهم في الخفاء في إطفاء نوره وإخماد كلمته، وأن وبال مكرهم سيعود عليهم، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، فقال: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) أي: ليبطلوا الحق وينصروا الباطل ويبطل توحيد الرحمن ويقوم على عبادة الأوثان، ( فَسَيُنْفِقُونَهَا ) أي: فسيصدرون هذه النفقة وتخف عليهم لتمسكهم بالباطل وشدة بغضهم للحق، ولكنها ستكون عليهم حسرة، أي: ندامة وخزيًا وذلاً ويغلبون، فتذهب أموالهم، ويعذبون في الآخرة أشد العذاب. ولهذا قال: ( وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ) أي: يجمعون إليها ليذوقوا عذابها. وذلك لأنها دار الخبث والخبثاء، والله -تعالى- يريد أن يميز الخبيث من الطيب، ويجعل كل واحدة على حدة، وفي دار تخصه، فيجعل الخبيث بعضه على بعض من الأعمال والأموال والأشخاص، ( فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ألا ذلك هو الخسران المبين. وفي قوله -تعالى-: ( قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ )".
