شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

غزوة بدر الكبرى في القرآن الكريم (2-2)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

ففي بيان فضل الله -تعالى- يوم بدر على الفئة المؤمنة -على قلتها- بجعل النصر حليفها والغلبة لها على الفئة الكافرة -على كثرتها في العدد والعتاد-؛ قال -تعالى-: ( فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ . ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ ) (الأنفال: 17، 18) .

قال السعدي في تفسيره: "يقول -تعالى- لما انهزم المشركون يوم بدر وقتلهم المسلمون ( فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ): بحولكم وقوتكم ( وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ ) حيث أعانكم على ذلك بما تقدم ذكره".

وقال ابن كثير في تفسيره: "يبين الله أنه خالق أفعال العباد، وأنه المحمود على جميع ما صدر منهم من خير؛ لأنه هو الذي وفقهم لذلك وأعانهم؛ ولهذا قال: ( فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ ) أي: ليس بحولكم وقوتكم قتلتم أعداءكم مع كثرة عددهم وقلة عددكم، أي: بل هو الذي أظفركم عليهم، كما قال -تعالى-: ( وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ) الآية، وقال -تعالى-: ( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ )، يعلم تبارك و-تعالى- أن النصر ليس على كثرة العدد ولا بلبس اللأْمة والعدد، وإنما النصر من عنده -تعالى-، كما قال -تعالى-: ( كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ). ثم قال -تعالى- لنبيه -صلى الله عليه وسلم- أيضًا في شأن القبضة من التراب التي حصب بها وجوه الكافرين يوم بدر حين خرج من العريش بعد دعائه وتضرعه واستغاثته، فرماهم بها، وقال: ( ‌شَاهَتِ ‌الْوُجُوهُ ) (رواه مسلم) ، ثم أمر أصحابه أن يصدقوا الحملة إثرها ففعلوا، فأوصل الله تلك الحصباء إلى أعين المشركين فلم يبقَ أحد منهم إلا تاله ما شغله عن حاله؛ ولهذا قال -تعالى-: ( وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى )، أي: هو الذي بلغ ذلك إليهم وكبتهم بها لا أنت.

عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله ( وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى ) قال: هذا يوم بدر أخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثلاث حصيات، فرمى بحصاة في ميمنة القوم، وحصاة في ميسرة القوم، وحصاة بين أظهرهم، وقال: ( ‌شَاهَتِ ‌الْوُجُوهُ ) فانهزموا.

قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقد روى في هذه القصة عن عروة بن الزبير ومجاهد وعكرمة وقتادة وغير واحد من الأئمة أنها نزلت في رمية النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم بدر".

وفي قوله -تعالى-: ( وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا ) عن عروة بن الزبير: أي: ليعرف المؤمنين نعمته عليهم من إظهارهم على عدوهم مع كثرة عدوهم وقلة عددهم، ليعرفوا بذلك حقه ويشكروا بذلك نعمته.

قال ابن كثير: "وهكذا فسره ابن جرير أيضًا، وفي الحديث: ( ‌وَكُلَّ ‌بَلَاءٍ ‌حَسَنٍ ‌أَبْلَانَا ) (رواه النسائي في السنن الكبرى) "، "وقوله -تعالى-: ( إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) أي: سميع الدعاء عليم بمن يستحق النصر والغلبة. وقوله -تعالى-: ( ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ ) هذه بشارة أخرى مع ما حصل من النصر، أنه أعلمهم -تعالى- بأنه مضعف كيد الكافرين فيما يستقبل، مصغر أمرهم، وأنهم كلما لهم في تبار ودمار. ولله الحمد والمنة".

- ويقول -تعالى-: ( وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (الأنفال: 26) .

قال ابن كثير -رحمه الله-: "ينبه -تعالى- عباده المؤمنين على نعمه عليهم وإحسانه إليهم، حيث كانوا قليلين فكثرهم، ومستضعفين خائفين فقواهم ونصرهم، وفقراء عالة فرزقهم من الطيبات واستشكرهم، فأطاعوه وامتثلوا جميع ما أمرهم. وهذا حال المؤمنين حال مقامهم بمكة، قليلين مستخفين مضطهدين يخافون أن يتخطفهم الناس من سائر بلاد الله، من مشرك ومجوسي ورومي، كلهم أعداء لهم، لقلتهم وعدم قوتهم، فلم يزل ذلك دأبهم حتى أذن الله لهم في الهجرة إلى المدينة فآواهم إليها، وقيَّض لهم أهلها، آووا ونصروا يوم بدر وغيره، وواسوا بأموالهم، وبذلوا مهجهم في طاعة الله وطاعة رسوله -صلى الله عليه وسلم-".

- وقال -تعالى-: ( وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ . إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ . بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ . وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ . لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ ) (آل عمران: 123-127) .

الصفحة التالية