شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

أخطاء وبدع لا أصل لها في الشرع

الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلا شك أن العِلْمَ قائد وإمام للعمل، والعمل تابع له، فمع العلم الصحيح النافع يكون العمل الصالح والثواب الجزيل، واجتناب المخالفات الشرعية، والبدع السيئة، ولكن مع تفريط الكثيرين في طلب العلم الشرعي تفشَّت بين الناس مخالفات شرعية وبدع كثيرة ترسَّخت حتى نُسبت إلى الدِّين وجعلت منه، وألفها الكثيرون وواظبوا عليها، مع كونها لا أصل لها في الشرع الحنيف، حتى اتسع الخرق على الراقع، ولكن لا بد من الإصلاح والتوجيه والإرشاد لإعادة من بعد عن الصواب إلى جادة طريق النجاة.

ونحاول في هذه العجالة التنبيه على مسائل كثيرة صارت بين الناس من الدين -وهي لا أصل لها في الشرع-؛ ليكون الناس على بينة من دينهم، فينالوا من العلم النافع الذي يقودهم إلى العمل الصالح. نسأل الله -تعالى- السداد والتوفيق.

فمن هذه المسائل:

- التلفظ بالنية عند فعل العبادات: فيقول المرء: نويت أن أفعل كذا وكذا. فيقول عند الوضوء: نويت الوضوء، أو يقول عند الصلاة: نويت أن أصلي كذا، ويقول عند تبييت نية الصيام: نويت أن أصوم، فهذه من البدع؛ لأن التكلم بالنية في جميع العبادات لم يرد عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فالنية هي قصد الشيء عازمًا عليه، والله -عز وجل- يعلم ما في قلب العبد؛ قال -تعالى-: ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ . إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ . مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) (ق: 16-18) ، وهو العليم -عز وجل- بذات الصدور.

- ما يوضع في بعض التقاويم في شهر رمضان بما يسمى (وقت الإمساك)، حيث يجعل قبل دخول وقت الفجر مدة زمنية نحو ربع ساعة أو عشر دقائق زيادة على ما فرض الله -تعالى- على عباده، يكون عندها احتياطًا بدء الصيام الفعلي بالامتناع عن الطعام والشراب؛ فهذا ليس له أصل في السنة، بل الشرع على خلافه؛ لأن الله -تعالى- قال: ( وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ) (البقرة: 187) . وفي الحديث المرفوع: ( إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ ) (متفق عليه) .

- اعتقاد بعض العوام أنه بعد نهاية تناول السحور وعقد نية الصيام أنه لا يجوز له الأكل أو الشرب ولو لم يطلع الفجر. والصواب: جواز أن يأكل أو يشرب بعد عقد النية -إذا أراد- حتى دخول وقت الفجر وبدء الوقت الفعلي للصيام.

- مسح الرقبة في الوضوء، فالرقبة ليست من الرأس فلا تُمسح كالرأس، ولم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الأحاديث الواردة في وضوئه -صلى الله عليه وسلم- قيامه بمسح رقبته.

- وكل عمل يتعبد به الإنسان ويتقرب به إلى الله -تعالى- مما لا أصل له عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فإنه بدعة.

- ما يقوم به البعض في وضوئه من ذكر دعاء مخصوص مع غسل -أو مسح- لكل عضو من أعضاء الوضوء، فيقول كلما غسل وجهه: اللهم حرم وجهي على النار، وإذا غسل يديه قال ذكرًا بعده، وكذلك عند مسح الرأس؛ فهذا لا أصل له في الشرع والتعبد لله -تعالى- به من البدع.

- قيام البعض عندما تفوته صلاة مفروضة نسيانًا أو بسبب النوم -أو صلوات- بقضاء تلك الصلاة -أو الصلوات- مع نظيرتها في اليوم التالي. والسنة قضاء الصلاة الفائتة فورًا متى تذكرها، ولا يؤخرها ليصليها مع نظيرتها في اليوم التالي. ففي الحديث المرفوع: ( مَنْ نَسِيَ ‌صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا، فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ‌ذَكَرَهَا ) (متفق عليه) ، فإن كانت أكثر من صلاة يصليها فرضًا جميعًا بأذان واحد ويقيم لكل فريضة منها؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان إذا جمع بين صلاتين يؤذن أذانًا واحدًا ويقيم لكل فريضة.

- قول بعض المأمومين عند قراءة الإمام في الفاتحة في الصلاة الجهرية: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) (الفاتحة: 5) : (استعنا بالله)، لا أصل له، ويُنهى عنه؛ إذ إن تأمين المأموم بعد انتهاء الإمام من قراءة الفاتحة كافٍ ويغني عن قول: (استعنا بالله).

- قول قارئ القرآن: (صدق الله العظيم) بعد انتهاء قراءته للقرآن لا أصل له من السنة، ولا من عمل الصحابة -رضي الله عنهم-، وإنما أُحدث أخيرًا. ولا ريب أن قول القائل: (صدق الله العظيم) ثناء على الله -عز وجل-، فهو عبادة يتقرب بها إلى الله -تعالى-، والعبادة لا يجوز أن نتعبد بها إلا بناءً على دليل من الشرع، فإذا لم يكن هناك دليل من الشرع كان ختم التلاوة به غير مشروع ولا مسنون؛ فلا يسن لمن انتهى من قراءة القرآن أن يقول: صدق الله العظيم.

فإن قيل: أليس الله -تعالى- يقول: ( قُلْ صَدَقَ اللهُ ) (آل عمران: 95) .

فالجواب: بلى قد قال الله -تعالى- ذلك، ونحن نقول ذلك، لكن هل قال الله ورسوله إذا أنهيتم القراءة فقولوا: صدق الله العظيم؟ بالطبع لا. بل صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يقرأ القرآن ولم ينقل عنه أنه كان يقول: (صدق الله العظيم).

وقد قرأ ابن مسعود رضي الله عنه على النبي -صلى الله عليه وسلم- من سورة النساء حتى بلغ قوله -تعالى-: ( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ) (النساء: 41) ، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ‌حَسْبُكَ ) (متفق عليه) . ولم يقل: (صدق الله العظيم)، ولم يقل ابن مسعود أيضًا. وهذا دليل على أن قول القائل عند انتهاء القراءة: (صدق الله العظيم) ليس بمشروع.

- تقبيل اليدين بعد الفراغ من الدعاء بدعة لا أصل لها، وأما مسح الوجه باليدين بعد الدعاء ففيه أحاديث ضعيفة قال عنها شيخ الإسلام: إنها لا تقوم بها حجة. وذهب بعض العلماء إلى أن الأحاديث في ذلك بمجموعها تصل إلى درجة الحسن لغيره فيحتج بها.

الصفحة التالية