الوصايا النبوية (17) الوصية بالصحابة (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-، قال: إنَّ عمرَ خطبهم بالجابيةِ (1) فقال: يا أيُّها الناسُ، إنِّي قمتُ فيكم كقيامِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فينا، قال: ( أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) . وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا تَسُبُّوا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِي؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ ) (متفق عليه) . وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ) (متفق عليه) .
مجمل الوصية:
في هذه الوصية يقولُ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ( أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي )، أي: أعطوهم حقوقَهم وأنزلوهم منزلتَهم، وقدِّروهم، ولا تهينوهم ولا تسبُّوهم، ودافعوا عن أعراضهم، وأوصيكم أيضًا بالذين يأتون من بعدهم وهم أبناؤُهم وأتباعُهم من التابعين، وأوصيكم أيضًا بالجيلِ الثالثِ الذين يأتون من بعدهم وهم أتباعُ التابعين.
الجزء الأول من الوصية: (أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي):
- مجمل كلام العلماء في تعريف الصحابة -رضي الله عنهم-: هم كلُّ من لَقِيَ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- وأسلم وبقي على الإسلام حتى مات؛ كما أنه يقصد بالصحابة حملة رسالة الإسلام الأولين، وأنصار النبي -صلى الله عليه وسلم- المدافعين عنه، والذين آمنوا بدعوته وماتوا على ذلك. ويقصد بهم الذين رافقوا النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- في أغلب فترات حياته بعد الدعوة، وأعانوه على إيصال رسالة الإسلام ودافعوا عنه بأرواحهم وأموالهم. ثم بعد وفاته -صلى الله عليه وسلم- حملوا راية الدين، وتفرقوا في الأمصار لنشر تعاليمه وفتحوا المدن والدول، وعددهم -رضي الله عنهم- كبير، ولكن لا يمكن القطع به لتفرقهم في البلدان والقرى والبوادي، ولكن اتفقت كتب التاريخ والسير على أنهم كانوا في حجة الوداع مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، يزيدون على مائة ألف صحابي.
فضل الصحابة في القرآن والسنة:
- جاءت الأدلة الكثيرة في الكتاب والسنة تبيِّن ذلك: قال -تعالى-: ( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (التوبة: 100) . وقال -تعالى-: ( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ) (الفتح: 18) . وقال -تعالى-: ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) (الفتح: 29) .
- وجاءت كذلك الأدلة الكثيرة في كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا تَسُبُّوا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِي؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ ) (2) . وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ( خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ).
- عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ ) (رواه مسلم) .
طبقات الصحابة -رضي الله عنهم-:
- الصحابة درجات بعضها فوق بعض، فالسابقون الأولون الذين أسلموا وجوههم إلى الله، ولبوا مناديه إلى الإيمان، وكان كل من على سطح هذه المعمورة مخالف لهم هم المهاجرون، ويلي هؤلاء السابقين من المهاجرين، السابقون من الأنصار وهم الذين بايعوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيعة العقبة على أن يمنعوه من الأسود والأحمر، وآووه في ديارهم: قال -تعالى-: ( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ).
- وما سوى الصحابة الكبار طبقات بعضها أفضل من بعض: قال -تعالى-: ( وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) (الحديد: 10) .
الجزء الثاني من الوصية: (ثمَّ الذينَ يلونهم) (التابعون):
