الوصايا النبوية (17) الوصية بالصحابة (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- مجمل كلام العلماء في تعريف التابعين -رحمهم الله-: التابعون هم: الطبقة الثانية من المسلمين الذين أخذوا علمهم ودينهم من صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقاموا خلفهم بحمل الرسالة والدعوة إليها، وقد التف التابعون حول الصحابة يأخذون عنهم القرآن والحديث وينهلون من علوم الشرع على الصورة التي نقلوها لهم عن رسول الله، وتتلمذوا على يد الصحابة بإقبال وشغف ومحبة، ثم كان لهم الشرف في حمل ذلك ونشره، وكان الصحابة قد تفرقوا في الأمصار واشتهر في كل بلد عدد معين من التابعين وكانوا حلقة مهمة ومؤثرة بين الصحابة وجيل أئمة المذاهب وتلاميذهم ومن جاء بعدهم؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( طُوبَى لِمَنْ رَآنِي وَطُوبَى لِمَنْ رَأَى مَنْ رَآنِي وَلِمَنْ رَأَى مَنْ رَأَى مَنْ رَآنِي وَآمَنَ بِي ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني) .
فضل التابعين:
- أشار القرآن الكريم إلى فضلهم: قال -تعالى-: ( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ).
قال الشيخ حافظ الحكمي: "وقد رتَّب الله -تعالى- فيها الصحابة على منازلهم وتفاضلهم، ثم أردفهم بذكر التابعين؛ كما في قوله -تعالى-: ( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ )".
- وهم المقصودون بالثناء النبوي: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ) (متفق عليه) . والمقصود الصحابة ثم التابعون بعدهم.
فضل التابعين في نشر الدين:
- بعد أن تلقَّى التابعون علومهم على يدي الصحابة، وخالطوهم وعرفوا كل شيء عنهم، بدأت مرحلة تدوين الحديث: عن أبي قلابة قال: "خرج علينا عمر بن عبد العزيز لصلاة الظهر ومعه قرطاس، ثم خرج علينا لصلاة العصر وهو معه، فقلت له: يا أمير المؤمنين، ما هذا الكتاب؟ قال: حديث حدثني به عون بن عبد الله فأعجبني فكتبته". ثم أمر -رحمه الله- بجمع حديث النبي في دواوين، وبهذا بدأ تدوين وكتابة الحديث من قبل التابعين.
- لم يكتفِ عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- بالأمر بجمع السنة، بل حث العلماء على نشرها في المساجد: روى البخاري أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن حزم يقول: "ولتفشوا العلم، ولتجلسوا حتى يُعلَّم من لا يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرًّا" (3) .
الجزء الثالث من الوصية: (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) (تابعو التابعين):
- تابع التابعي هو: مَن لَقِيَ التابعي وأخذ عنه العلم والسنة، وعصر تابعي التابعين هو العصر الذي يلي عصر التابعين، وهو يبدأ من سنة مائة وسبعين تقريبً (4) . ومن أشهر أتباع التابعين: الإمام مالك بن أنس، ومحمد الباقر، وجعفر الصادق بالمدينة المنورة، وسفيان بن عيينة بمكة المكرمة، والأوزاعي بالشام، والليث بن سعد بمصر، وأبو يوسف بالعراق.
- ومع انقراض تابعي التابعين بدأت تظهر البدع، وأطلقت المعتزلة ألسنتها، ورفعت الفلاسفة رؤوسها وامتحن أهل العلم بالقول بخلق القرآن، ولم يزل الأمر في نقص إلى هذا الزمان.
واجبنا تجاه السلف الصالح:
- كما جاء في مجمل الوصية: "أعطوهم حقوقَهم، وأنزلوهم منزلتَهم، وقدِّروهم، ولا تهينوهم ولا تسبُّوهم، ودافعوا عن أعراضهم، وانشروا فضائلهم، واقتدوا بهديهم؛ فإنهم خير الناس".
فاللهم اجمعنا بالسلف الصالحين في جنات النعيم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) خطبة عمر -رضي الله عنه- هذه مشهورة، خطبها بالجابية -وهي قرية بدمشق-.
(2) قال البيضاوي: "معنى الحديث: لا ينال أحدكم بإنفاق مثل أُحُدٍ ذهبًا من الفضل والأجر ما ينال أحدهم بإنفاق مُدِّ طعام أو نصيفه، وسبب التفاوت ما يقارن الأفضل من مزيد الإخلاص، وصدق النية مع ما كانوا من القلة، وكثرة الحاجة والضرورة. وقيل السبب فيه: أن تلك النفقة أثمرت في فتح الإسلام، وإعلاء كلمة الله ما لا يثمر غيرها، وكذلك الجهاد بالنفوس لا يصل المتأخرون فيه إلى فضل المتقدمين لقلة عدد المتقدمين، وقلة أنصارهم فكان جهادهم أفضل؛ ولأن بذل النفس مع النصرة، ورجاء الحياة ليس كبذلها مع عدمها".
(3) من التابعين -على سبيل المثال لا الحصر-: هشام بن عروة، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، ومجاهد بن جبر، ومحمد بن سيرين، وغيرهم كثير.
(4) قال السيوطي -رحمه الله-: "والأصح أن القرن لا ينضبط بمدة، فقرنه -صلى الله عليه وسلم- هم الصحابة وكانت مدتهم من المبعث إلى آخر من مات من الصحابة مائة وعشرون سنة، وقرن التابعين من مائة سنة إلى نحو سبعين، وقرن أتباع التابعين من ثم إلى نحو العشرين ومائتين".
