شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ

محمود عبد الحفيظ البرتاوي • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلا شك أن نصرة المسلمين لبعضهم واجبةٌ متحتِّمةٌ؛ فـ( الْمُسْلِمُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِنِ اشْتَكَى عَيْنُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ، وَإِنِ ‌اشْتَكَى ‌رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ ) (رواه مسلم) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( ‌مَثَلُ ‌الْمُؤْمِنِينَ ‌فِي ‌تَوَادِّهِمْ ‌وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ) (متفق عليه) .

وقال -تعالى-: ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) (التوبة: 71) ، وقال -عز وجل-: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ) (الحجرات: 10) .

وقال -تبارك وتعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) (الأنفال: 72) .

فتتمة قوله -تعالى-: ( وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ ) هو قوله -عز وجل-: ( إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ )؛ فمنع الله -تعالى- المؤمنين من نصرة إخوانهم المسلمين المستضعفين إن كان يترتَّب على ذلك نقضٌ للعهد، ومخالفة لهدنة أو موادعة بين المسلمين والكافرين، واستثنى مِن وجوب نصرة المسلمين لبعضهم أن تكون هناك معاهدات قائمة، فيلزم الوفاء بها والقيام بحقوقها، وأوجب -سبحانه وتعالى- مراعاة العهود والمواثيق، والوفاء بها في غير ما آية في كتابه العزيز؛ كما في قوله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) (المائدة:1) ، وقوله: ( وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ) (الإسراء: 34) ، وقوله: ( فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِم ْ) (التوبة: 4) ، وقوله: ( الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ ) (الرعد: 20) .

ولذلك فإن من "المزايدات الرخيصة" على صاحب الشريعة -كتابًا وسنة-: القول بلزوم نصرة المستضعفين من المسلمين على أيِّ حال؛ ولو بنقض العهود والمواثيق، وإهدار ما اشترطه الله من رعاية العهود والمواثيق، والتشنيع على أهل العِلْم، وخيار علماء الأمة ممَّن يستدل بأدلة الكتاب والسُّنة، ويبيِّن حكم الشرع في بيانات أهل الجهل، وفتاواهم بأن جهاد الدفع لا اعتبار فيه لقواعد المصالح والمفاسد، والقدرة والعجز، وإعمال الموازنات الشرعية؛ ودعوتهم للأفراد والآحاد "بل ودعوة طياري البلدان للخروج بطائراتهم" لقتال اليهود!

وبعض هؤلاء يستدل على ذلك -بسوء فهمه- بقوله -تعالى-: ( فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا ) (النساء:84) ، على الدخول في مصادمات محسومة العاقبة تضر ولا تنفع، ويتأولها على أن ذلك من الشرع؛ أن يدعو الناس لجهاد اليهود ولو فرادى، ولو بلا عدة أو سلاح!

قال ابن عطية -رحمه الله- في تفسير هذه الآية: "لَمْ يَجِئْ فِي خَبَرٍ قَطُّ أَنَّ الْقِتَالَ فَرْضٌ عَلَيْهِ دُونَ الأُمَّةِ مُدَّةً مَا، فَالْمَعْنَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خِطَابٌ لَهُ فِي اللَّفْظِ، وَهُوَ مِثَالُ مَا يُقَالُ لِكُلِّ وَاحِدٍ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ، أَيْ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أُمَّتِكَ الْقَوْلُ لَهُ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَلِهَذَا يَنْبَغِي لِكُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يَسْتَشْعِرَ أَنْ يُجَاهِدَ وَلَوْ وَحْدَهُ" (المحرر الوجيز) .

والتطبيق العملي في السيرة النبوية الشريفة يبطل هذا التأويل، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يخرج قط منفردًا لقتال، ولم يأمر بذلك، ونبيا الله موسى وهارون -عليهما السلام- لم يخرجا ليقاتلا وحدهما لما امتنع بنو إسرائيل عن الدخول على القوم الجبارين مع وعد الله بالنصر والغلبة إذا دخلوا عليهم الباب.

لكن يصر أهل الجهل والأهواء على دغدغة عواطف المسلمين ومشاعرهم بهذه الخطابات لتثويرهم، وتحقيق مآرب خاصة لهم؛ كل هذا بزعم الولاء لأهل الإسلام، والشفقة عليهم، ومحبة الجهاد في سبيل الله!

ولذلك انطلقت الألسنة الحداد، وعلت الأصوات الناقمة، وانبرت الأقلام المسعورة؛ لتعمل السب والشتم في شخص العالم الجليل الدكتور ياسر برهامي -حفظه الله-؛ الذي ما زاد على تلاوة آياتِ الله، وبيان ما دلَّت عليه بأدلة الكتاب والسنة، وبيان وجوب مراعاة العهود والمواثيق، وقواعد المصالح والمفاسد، والقدرة والعجز، وتحريز المسلمين، وصيانة دمائهم وأعراضهم وحرماتهم، وأن الجهاد ما شرع أصلًا إلا لذلك؛ فكيف يعود على مقصوده بالنقض والهتك؟!

وهل يكون جهادًا مشروعًا ما يؤدي إلى إبادة المسلمين، وهتك أعراض المسلمات، وتدمير مقدرات بلاد أهل الإسلام، واضطرار أهلها إلى هجرة بلدانهم ومفارقة أوطانهم؛ مما يحقق أعظم أهداف الأعداء؟!

إنَّ ما ذكره الدكتور "ياسر برهامي" -حفظه الله- في تفسير الآية الكريمة، وفي قضية العهود واعتبار المصالح والمفاسد في الجهاد -بنوعيه: جهاد الدفع وجهاد الطلب- لم يختلف فيه العلماء، وهاك بعضًا من أقوالهم في ذلك:

قال الشافعي -رحمه الله-: "وإذا دخل جماعة من المسلمين دار الحرب بأمان فسَبَى أهل الحرب قومًا من المسلمين لم يكن للمستأمنين قتال أهل الحرب عنهم حتى ينبذوا إليهم، فإذا نبذوا إليهم فحذَّروهم ‌وانقطع ‌الأمان ‌بينهم، ‌كان ‌لهم ‌قتالهم، فأما ما كانوا في مدة الأمان فليس لهم قتالهم" (الأم للإمام الشافعي) .

الصفحة التالية