شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ

محمود عبد الحفيظ البرتاوي • المنهج السلفي

وقال -رحمه الله- أيضًا: "إذا دخل قومٌ من المسلمين بلادَ الحرب بأمانٍ؛ فالعدوُّ منهم آمنون إلى أن يفارقوهم، أو يبْلُغُوا مدَّةَ أمانِهم، وليسَ لهم ظُلْمُهم، ولا خيانَتُهم. وإن أَسَرَ العدوُّ أطفالَ المسلمينَ ونساءَهم؛ لم أَكُنْ أُحبُّ لهم الغَدْرَ بالعدوِّ، ولكن أُحبُّ لهم لو سأَلُوهم أَنْ يَردُّوا إليهم الأمانَ، ويَنْبِذُوا إليهم، فإذا فعَلُوا؛ قاتلُوهم عن أطفالِ المسلمين ونسائِهم" (الأم) .

وهذا النبذ للعهود إنما هو في العهود الجائزة والمطلقة، وأما العقود اللازمة والمؤقتة بمدة محددة؛ فيجب الوفاء بها ما لم ينقضها الكفار؛ قال الله -تعالى-: ( إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) (التوبة: 4) .

قال ابن عطيَّة -رحمه الله-: "وقوله: ( وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ ) يعني: إن استدعَى هؤلاء المؤمنون الذين لم يهاجروا نصرَكم على قوم من الكفرة، فواجبٌ عليكم نصرُهم؛ إلا إنْ استنصروكم على قومٍ كفارٍ قد عاهدتموهم أنتم، وواثقتموهم على ترك الحرب؛ فلا تنصروهم عليهم، لأنَّ ذلك غدْرٌ ونقضٌ للميثاق، وترك لحفظ العهد، والوفاء به" (المحرر الوجيز) .

وقال ابنُ كثير -رحمه الله-: "يقول -تعالى-: ( وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ ) هؤلاء الأعراب، الذين لم يهاجروا في قتالٍ دينيٍّ، على عدوٍّ لهم؛ فانصروهم، فإنَّه واجب عليكم نصرهم؛ لأنهم إخوانُكم في الدِّين، إلا أن يستنصروكم على قوم من الكفار ( بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ) أي: مهادنةٌ إلى مدَّة، فلا تخفروا ذمَّتكم، ولا تنقضوا أيمانكم مع الذين عاهدتم" (تفسير ابن كثير) .

فرب العزة -تبارك وتعالى- هو الذي أمر بمراعاة العهد وقدَّم ذلك على نصرة المستضعفين "وليس الدكتور ياسر برهامي!"، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قد صالح أهل مكَّة "في الحُديبية" في السنة السادسة بعد الهجرة، وكان من شروط الصلح: أن يردَّ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- مَن يلحق به مِن كفَّار مكة مسلمًا أو يريد الإسلام، فجاءه هناك أبو جندلِ بنُ سُهيل بن عمرو مسلمًا، فطالبوا به؛ فردَّه إليهم، فصرخَ أبو جندلٍ ـ بأعلى صوته ـ: يا معاشر المسلمين! أُردُّ إلى المشركين وقد جِئْتُ مسلمًا، ألا تَرونَ إلى ما لقيتُ؟! وكان قد عُذِّب عذابًا شديدًا في الله، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( يا أبا جندلٍ! اصبِرْ واحتسبْ، فإنَّ الله -عَزَّ وَجَلَّ- جَاعِلٌ لكَ، ولِمَن مَعَك مِن المُسْتَضْعِفين فَرَجًا ومَخْرَجًا، إنَّا قد عقَدْنا بيننا وبين القوم صُلْحًا، فأَعطيناهم على ذلكَ، وأعطونا عليه عهدًا، وإنَّا لن نَغْدِرَ بهم ) (أخرجه أحمد وأصله عند البخاري) .

فأين هؤلاء من سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وسيرته الشريف؟!

ألم يصبر النبي -صلى الله عليه وسلم- على أذى المشركين، وكان يصبِّر المستضعفين من المسلمين على ما يتعرَّضون له من عظيم البلاء، كما قال: ( ‌صَبْرًا ‌آلَ ‌يَاسِرٍ، ‌فَإِنَّ ‌مَوْعِدَكُمُ ‌الْجَنَّةُ ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني) ؟!

ألم يقل -صلى الله عليه وسلم- لحذيفة في غزوة الأحزاب: ( اذْهَبْ؛ فَأْتِنِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ، ‌وَلَا ‌تَذْعَرْهُمْ ‌عَلَيَّ ) (رواه مسلم) ؟! وهذا حفظًا لبلد الإسلام -المدينة النبوية- وصيانة للمسلمين أن يثور عليهم الكفار إن فعل حذيفة -رضي الله عنه- ما يهيجهم على المسلمين.

وهذه رسالة من أحد العلماء المعاصرين -ممَّن أجمعت الأمة على فضله وإمامته-، وهو سماحة العلامة الشيخ ابن باز للشيخ أحمد شاكر -رحمه الله- في أمر العهود والمواثيق لما كتب الشيخ أحمد شاكر يستنفر المسلمين في كلِّ مكان لمحاربة الإنجليز لعدم جلائهم عن مصر؛ فكتب إليه الشيخ ابن باز -رحمه الله-: "ثم أشعر فضيلتكم أني لما قرأتُ كلمة الحق المنشورة في "مجلة الهدي" الصادرة في ربيع أول سنة 71 وجدت فيها مواضع لم تظهر لي حجة ما اعتمده فضيلتكم فيها، وأحببت مذاكرتكم في ذلك؛ ليظهر الصواب للجميع؛ أداءً لواجب التناصح، والأخوة الإيمانية، جعلني الله وإياكم من الذين يهدون بالحق وبه يعملون، وهذا بيان المواضع:

الأول: قلتم في صفحة 13: يجب على كل مسلم في أي بقعة من بقاع الأرض أن يحاربهم، وأن يقتلهم حيثما وُجِدوا؛ مدنيين كانوا أو عسكريين، إلخ.

أقول: هذا التعميم والإطلاق فيه نظر؛ لأنه يشمل المسلمين الموجودين في مصر وغيرهم.

والصواب: أن يُستثنى مِن ذلك مَن كان مِن المسلمين رعية لدولة أخرى من الدول المنتسبة للإسلام التي بينها وبين الإنجليز مهادنة؛ لأن محاربة الإنجليز لمصر لا توجب انتقاض الهدنة التي بينها وبين دولة أخرى من الدول الإسلامية، ولا يجوز لأي مسلم من رعية الدولة المهادنة محاربة الإنجليز؛ لعدوانهم على مصر وعدم جلائهم عنها.

والدليل على ذلك: قوله -سبحانه- في حقِّ المسلمين الذين لم يهاجروا: ( وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ). ومن السُّنة: قصة أبي جندل وأبي بصير لما هربا من قريش وقت الهدنة، والقصة لا تخفى على فضيلتكم" (ينظر: الرسائل المتبادلة بين الشيخ ابن باز والعلماء، ص 593) .

- ومِن الدعاوى الباطلة قول بعضهم: إن استثناء نصرة المسلمين المستضعفين متعلق بتركهم الهجرة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ كما في الآية الكريمة: ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ )، فهي متعلقة بمسلمين لم يهاجروا وبقوا في بلاد الكفار!

الصفحة السابقة الصفحة التالية