وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ
محمود عبد الحفيظ البرتاوي • المنهج السلفي
وإن المقصود -من هذا المقال- ليس مجرد انتصار لقول عالم من العلماء، أو إنصاف رجل من أهل العلم والدعوة إلى الله، وإنما في المقام الأول الحفاظ على المنهج الذي يمثـِّله هذا العالِم وينافح عنه.
وقد كان السلف -رحمهم الله- يعدون الطعن على أهل السنة والمنافحين عنها من علامات أهل البدع والضلال، بل قد يعدون الرجل من أهل البدع بمجرد طعنه فيهم؛ قال أبو زرعة -رحمه الله-: "إذا رأيتَ الكوفي يطعن على سفيان الثوري وزائدة: فلا تشك أنه رافضي، وإذا رأيت الشامي يطعن على مكحول والأوزاعي: فلا تشك أنه ناصبي، وإذا رأيت الخراساني يطعن على عبد الله بن المبارك: فلا تشك أنه مرجئ، واعلم أن هذه الطوائف كلها مجمعة على بغض أحمد بن حنبل؛ لأنه ما مِن أحدٍ إلا وفي قلبه منه سهم لا برء له" (طبقات الحنابلة) .
وقال نعيم بن حماد -رحمه الله-: "إذا رأيت العراقي يتكلم في أحمد بن حنبل؛ فاتهمه في دينه. وإذا رأيت البصري يتكلم في وهب بن جرير؛ فاتهمه في دينه. وإذا رأيت الخراساني يتكلم في إسحاق بن راهويه؛ فاتهمه في دينه" (تاريخ بغداد) .
وقال قتيبة بن سعيد -رحمه الله-: "إذا رأيت الرجل يحب أحمد بن حنبل؛ فاعلم أنه صاحب سنة وجماعة".
وبالمقابل قال أبو جعفر الغَلَّاس -رحمه الله-: "إذا رأيت الرَّجُلَ يقع في أحمد بن حنبل؛ فاعلم أنه مبتدعٌ" (الجرح والتعديل لابن أبي حاتم) .
ولم يكن هذا عصبية للعلماء أو تقديسًا لهم؛ وإلا فلا يزال العلماء وتلامذتهم عبر العصور يخالفون هؤلاء الأئمة -كالإمام أحمد وغيره- في كثيرٍ من المسائل، ويرون الراجح خلافها، بل حتى مِن أتباع المذهب نفسه؛ فما كان ذلك إلا لأن هؤلاء رموزٌ للسُّنة يُقتدَى بهم ويُتَّبعون على المنهج الحق، والإمام أحمد -رحمه الله- صار رمزًا من رموز السُّنة، ما يحبه المسلم؛ إلا لأنه يحب دينه، ويحب عقيدته، ويحب مذهبه، ويحب صبره، ويحب ما كان عليه، والذي يبغض أحمد إنما يبغضه لدينه ومسلكه ومذهبه، وما كان عليه.
ومن هذا الباب: ما في الصحيحين من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ ).
وعن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: "وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَيَّ: أَنْ لا يُحِبَّنِي إِلا مُؤْمِنٌ، وَلا يُبْغِضَنِي إِلا مُنَافِقٌ" (رواه مسلم) .
ونحن منذ عرفنا الشيخ ياسر وسمعنا به، لم نرَه أبدًا يدخر وقتًا وجهدًا في بذل نفسه للدعوة إلى الله، ولا يجد أمامه بابًا فيه نفع للإسلام والمسلمين إلا سارع فيه، وكان -ولا يزال- يجوب البلاد شرقًا وغربًا، وشمالاً وجنوبًا يدعو إلى الله، ولا تأخذه في الله لومة لائم.
منطلق كالقطار ولا يلتفت إلى عبث العابثين، ومواقف صغار العقول والأفهام، وأهل التثبيط، وأقزام الإرجاف، بل يمضي في طريقه قُدُمًا، متخليًّا عن التنافس على الدنيا وتبادل الاتهامات، مترفِّعًا عن مقابلة السيئة بالسيئة، لا يعتني إلا بسلامة دينه وإسلامه؛ فكان ممَّن أكرمهم الله وجعلهم رموزًا للسنة؛ بها يُعرفون، وإليها يُنسَبون.
فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين كل خير.
فحق لنا أن نفاخر العالَم بهذا الشيخ الجليل.
وحق لنا أن نقول -بلا عصبية أو هوى-: لقد أصبح شيخنا الحبيب د."ياسر برهامي" -ختم الله له بخاتمة السعادة والخير- علامة فارقة في تاريخ الصحوة الإسلامية المعاصرة؛ شاء مَن شاء، وأبى مَن أبى، ولا أدل على ذلك مما جعل الله له من أعظم النصيب في نشر العلم والدعوة على يديه، والقبول والحب في نفوس المؤمنين، والشفقة على أهل الإسلام، وسعيه في مصالحهم، وحفظ دمائهم وأعراضهم.
وكل مَن نظر في سيرة هذا الشيخ الجليل، وطالع مؤلفاته ودروسه وعلومه، تبيَّن له قدره ومنزلته في العلم والدِّين.
نسأل الله الإخلاص في القول والعمل، والحمد لله رب العالمين.
