شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ في الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ

محمود عبد الحفيظ البرتاوي • المنهج السلفي

ولا شك أن هذه دعوى زائفة، وغفلة عظيمة عن أحداث غزوة الحديبية التي طبق فيها النبي -صلى الله عليه وسلم- هذه الآية الكريمة؛ فإن أبا جندل وأبا بصير -رضي الله عنهما- قد هاجرا بالفعل إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وهربا من المشركين، ومع ذلك فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم ينصرهما، بل ردَّهما إلى المشركين، ووفَّى لهم بالعهد والميثاق، والله -عز وجل- لم يجعل المانع من نصرة المستضعفين تركهم الهجرة، وإنما وجود ميثاق وعهد مع المشركين.

- ومن هذه الدعاوى أيضًا قول بعضهم: الوفاء بالعهود مع الكفار -مع عدوانهم على بعض المسلمين- فيه إسقاط لما توجبه الأُخوة الإيمانية والإسلامية من مناصرة المسلمين لإخوانهم، وأن في ذلك تخذيلًا عن تأييد المسلمين المستضعفين في فلسطين -أو في أي مكان-!

وجواب ذلك: أن قوله -تعالى-: ( فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ ) ليس فيه النهي عن نصرة المستضعفين من المسلمين بإطلاق، وإنما المحظور أن يتوهَّم المسلم أنه في حِلٍّ من عقد الأمان؛ الذي أمره الله بالتزامه إذا عقده، وأقرَّ به للكفار.

فنصرة المستضعفين من المسلمين لا يلزم أن تكون بالقتال، أو نبذ العهود وعقود الأمان، بل قد تكون بصورٍ وأشكال كثيرةٍ؛ مِن: المساعدات الإنسانية والإغاثية، ونشر القضية، وأعظم من ذلك كله: الدعاء والتضرع إلى الله لرفع البلاء عن المسلمين في كلِّ مكان، وغير ذلك من أسباب وأساليب الدعم والنصرة للمسلمين.

فقوله -تعالى-: ( فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ) إنما ينهى عن النصرة بالقتال عند وجود المانع من هذه النصرة؛ وهو: العهود والمواثيق، فإذا نبذنا إلى الكافرين عهودهم جاز لنا قتالهم؛ كما قال الله -تبارك وتعالى-: ( وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ) (الأنفال: 58) .

وهذا النبذ للعهود والمواثيق من دولة إسلامية مع عدوٍّ محارب لدولة مسلمة أخرى، مشروط بأن يكون نبذ العهد في مصلحة المسلمين في هذا البلد، وتوافر أسباب النصر لهم على أعدائهم؛ أما إن كان المسلمون في بلدٍ لا استعداد لهم لقتال عدوهم، وليس في مصلحتهم نبذ العهد إليه؛ فكيف يقال لهم: يلزمكم أن تلحقوا المضرة ببلادكم، وتذعروا الكفار عليكم لتنالوا مصير إخوانكم؟!

فالرسول -صلى الله عليه وسلم- لما أراد ثمانون رجلًا من المشركين أن يقتلوه بعد صلح الحديبية مباشرة وأُمْسِكَ بهم، كما في الحديث عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: أَنَّ ‌ثَمَانِينَ ‌رَجُلًا ‌مِنْ ‌أَهْلِ ‌مَكَّةَ ‌هَبَطُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنْ جَبَلِ التَّنْعِيمِ مُتَسَلِّحِينَ، يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- وَأَصْحَابِهِ؛ فَأَخَذَهُمْ سِلْمًا فَاسْتَحْيَاهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ -عز وجل-: ( وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ) (رواه مسلم) ، وقال -عليه الصلاة والسلام-: ( دَعُوهُمْ، ‌يَكُنْ ‌لَهُمْ ‌بَدْءُ ‌الْفُجُورِ ‌وَثِنَاهُ ) (رواه مسلم) ؛ لأن هذا شأن المشركين دومًا "وخصوصًا اليهود"؛ أنهم لا يعرفون الوفاء بالعهود.

والشاهد: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم ينبذ العهد مع قريش -رغم النقض منهم- لما كانت مصلحة المسلمين في استمرار العهد والصلح معهم؛ فدَلَّ ذلك على أن المشركين إذا نقضوا العهد مع المسلمين في أيِّ نوعٍ من أنواع العهود؛ فلا يلزمنا نبذ العهد مِن ناحيتنا إن كانت مصلحة المسلمين في البقاء عليه، والأمر مرده لأهل الاختصاص من القادة والأمراء حسب مصلحة المسلمين في ذلك، وبمراجعة أهل العِلْم.

بل نص أهل العلم على أن لأهل الإسلام ابتداء الكفار بطلب الصلح "ولو بدفع مال للكفار" إن كان في هذا مصلحة للمسلمين؛ قال القرطبي -رحمه الله-: "قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: ( فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ ) (محمد: 35) ، فَإِذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عِزَّةٍ وَقُوَّةٍ وَمَنَعَةٍ، وَجَمَاعَةً عَدِيدَةً، ‌وَشِدَّةً ‌شَدِيدَةً ‌فَلَا ‌صُلْحَ ... وَإِنْ كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ مَصْلَحَةٌ فِي الصُّلْحِ، لِنَفْعٍ يَجْتَلِبُونَهُ، أَوْ ضَرَرٍ يَدْفَعُونَهُ؛ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبْتَدِئَ الْمُسْلِمُونَ بِهِ إِذَا احْتَاجُوا إِلَيْهِ" (تفسير القرطبي) .

وقال ابن قدامة -رحمه الله-: "‌لا ‌تَجوزُ ‌المُهادَنَةُ ‌مُطْلقًا ‌من ‌غيرِ ‌تَقْديرِ مُدَّةٍ؛ لأنَّه يُفْضِي إلى تَرْكِ الجهادِ بالكُلِّيَّةِ ... وَتَجُوزُ مُهَادَنَتُهُمْ عَلَى غَيْرِ مَالٍ. وَأَمَّا إنْ صَالَحَهُمْ عَلَى مَالٍ نَبْذُلُهُ لَهُمْ؛ فَقَدْ أَطْلَقَ أَحْمَدُ الْقَوْلَ بِالْمَنْعِ مِنْهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ فِيهِ صَغَارًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى غَيْرِ حَالِ الضَّرُورَةِ؛ فَأَمَّا إنْ دَعَتْ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ، وَهي: أَنْ يَخَافَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْهَلَاكَ أَوْ الْأَسْرَ، فَيَجُوزُ ... وَلِأَنَّ بَذْلَ الْمَالِ إنْ كَانَ فِيهِ صَغَارٌ؛ فَإِنَّهُ يَجُوزُ تَحَمُّلُهُ لِدَفْعِ صَغَارٍ أَعْظَمَ مِنْهُ، وَهُوَ: الْقَتْلُ، وَالْأَسْرُ، وَسَبْيُ الذُّرِّيَّةِ؛ الَّذِينَ يُفْضِي سَبْيُهُمْ إلَى كُفْرِهِمْ" (المغني) .

وقال الشيباني رحمه الله في "السِّيَر الكَبِير": "وَإِذَا ‌خَافَ ‌الْمُسْلِمُونَ ‌الْمُشْرِكِينَ ‌فَطَلَبُوا ‌مُوَادَعَتَهُمْ ‌فَأَبَى الْمُشْرِكُونَ أَنْ يُوَادِعُوهُمْ حَتَّى يُعْطِيَهُمْ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ مَالًا؛ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرُورَةِ" (شرح السِّير الكبير) .

فلا تجعلنا تهاويل المهوِّلين، واتهاماتهم الباطلة بالعصبية والتبعية والعبودية؛ أن نـَفـْرَق من نصرة الحق وأهله؛ فرارًا من أقوالهم وتسمياتهم -التي يضعونها في غير موضعها-.

الصفحة السابقة الصفحة التالية