شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

وثيقة المدينة مع اليهود ملامح ومعالم (2) (من تراث الدعوة)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد كانت مرحلة تأسيس الدولة الإسلامية الأولى بقيادة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نقطة عظيمة الأهمية في تاريخ الإسلام؛ فلم يكن النبي -صلى الله عليه وسلم- يتعامل فيها بوصف النبوّة فقط، بل كان يتعامل بصفته رئيسًا للدولة وقائدًا لها، سواء بين المسلمين، أو بين المسلمين واليهود، أو غيرهم، كما جاء في الوثيقة: "وإنه ما كان بيْن أهل هذه الصحيفة من حدَثٍ أو اشتجارٍ يُخاف فساده؛ فإن مردّه إلى الله -عز وجل- وإلى محمدٍ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-" (انتهى) .

ورغم أن المعاهدة مع اليهود أعطتهم مساحة واسعة مِن الوجود -كما سيأتي-؛ إلا أن هذا النص يؤكد دخولَهم ضمن الدولة المُسلِمة برياسة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بصفته حاكمًا.

وتُلاحَظ مِن معالم هذا الصلح مع اليهود أمورٌ؛ نلخصها فيما يلي:

الأول: هذا الصلح لم يكن مُحَدَّد المُدّة، وذلك يكاد يكون مستفيضًا بلا نزاع في جميع كتب السيرة، والأحاديث التي تدل على ذلك، بعدم التعرُّض لذِكْر مُدّة في هذه الوثيقة.

وهذا النوع مِن العهود هو أول نوع عَقَده الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ووفّى به إلى أن نقَضَه اليهودُ، قبيلةً بعد قبيلة، وفئةً بعد فئة، كان أولهم نقضًا له "بنو قينقاع ثم النضير ثم قريظة" -كما هو معلوم في السيرة-.

والقرآن قد دلَّ على هذا النوع مِن العهود، وقد ظلت بعضُ أنواعِه باقيةً إلى ذي الحجة سنة 9 مِن الهجرة، عندما نزل صدر سورة "براءة"، وأرسل بها النبي -صلى الله عليه وسلم- علي بن أبي طالب في حجة أبي بكر -رضي الله عنه- سنة 9، لتُتلى على الناس في المَوسم، وأول آيات فيها: ( بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ . وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ) (التوبة:1-4) .

و الآية الأولى تضمنت إنهاء هذا النوع المطلَق مِن المعاهدات؛ لأنه أمهَلَ أصحابه أربعة أشهر مِن يوم الحج الأكبر "يوم النحر" سنة 9 مِن الهجرة، تنتهي في العاشر مِن ربيع الثاني سنة 10 مِن الهجرة؛ وذلك لأن العهد المحدد المدة ذكَرَه الله -عزّ وجلّ- في قوله: ( إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ )، فهي صريحةٌ في لزوم الوفاء بالعهد المؤقت لآخر المدة طالما وفَّى به المشركون؛ فدل ذلك على أنه لم يُنسخ.

هل كانت سورة براءة -وآية السيف فيها- ناسخةً لمشروعية عقد هذه العهود مِن أصلها؟ أم منهية للموجود -وقت نزولها- منها، وإعلامٌ للمشركين مِن كل الطوائف بإلغاء هذه المعاهدة؛ إلا ما استثناه الرسول -صلى الله عليه وسلم- كما سيأتي؟

لا شك أن كثيرًا مِن السلف صرّح بأن آية السيف ناسخة لكل موادَعة ومعاهَدة.

قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير قوله -تعالى-: (وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) (الأنفال:61) : "قال ابن عباس ومجاهد وزيد بن أسلم وعطاء الخرساني وعكرمة والحسن وقتادة: إن الآية منسوخة بآية السيف في براءة ( قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ) (التوبة:29) ، وفيه نظر؛ لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك؛ فأما إذا كان العدو كثيفـًا فإنه يجوز مهادنتهم، كما دلت عليه هذه الآية الكريمة، وكما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم الحديبية؛ فلا منافاة، ولا نسخ، ولا تخصيص. والله أعلم" (تفسير ابن كثير بتصرف يسير) .

وفي الحقيقة أنه نوع مِن التخصيص بحالٍ دون حال، ووقتٍ دون وقت، حسب المصلحة وقوة المسلمين.

ومما يؤكد أن السلف الذين صرَّحوا بالنسخ لم يقصدوا النسخ الاصطلاحي الذي يقتضي عدم جواز إنشاء هذه العقود في أي وقتٍ وحالٍ: أن سورة "براءة" نزلتْ والرسول -صلى الله عليه وسلم- قد صالَح يهود خيبر -بعد فتحها- على البقاء فيها ما شاء الله، وفي رواية: "ما شئنا"، وهو عهد مطلق غير محدد المدة -كما هو واضح-، ولم يبادِر رسول الله -صلى الله عليهم وسلم- إلى إخراجهم مباشرة بعد نزول "براءة"، ولم يتكلَّم السَّلف في منع ذلك، وتأخر إخراجهم مِن خيبر إلى عهد عمر -رضي الله عنه-، ولو كان النسخ الاصطلاحي هو المقصود لما استمر هذا الصلح، وإنما نزلت سورة "براءة" في آياتها الأولى بإنهاء وإلغاء المعاهدات المطلقة القائمة مع المشركين إلا ما أبقاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كيهود خيبر؛ فهي إذًا لا تَمنع إنشاء مثل هذه العقود ابتداءً عند الحاجة إليها، وإنما تُنْهِيها وتُعْلِم الكفار بانتهائها، كما قال -عز وجل-: ( وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ) (الأنفال:58) ، أي: أعلمهم بإنهاء العهد وإلغائه حتى تكونوا أنتم وهم على سواء في العلم بإلغاء العهد، وإلا كان خيانة وغدرًا.

الصفحة التالية