شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (207) تحطيم إبراهيم صلى الله عليه وسلم للأصنام وإنجاء الله له من النار (3)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقال -تعالى-: ( وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ . إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ . قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ . قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ . قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ . قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ . وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ . فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ . قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ . قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ . قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ . قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ . قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ . فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ . ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ . قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ . أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ . قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ . قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ . وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ . وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ . وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ. وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ ) (الأنبياء: 51-73) .

في الآيات فوائد:

الفائدة الأولى: دَلَّت الآيات على أهمية الالتزام بالدين الحق في الصغر؛ قال الله -عز وجل-: ( وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ ) على الوجه الذي رجَّحه ابن كثير؛ أي: مِن أول نشأته. والقول الثاني: أي: مِن قَبْل موسى وهارون -صلى الله عليهما وسلم-، والأول أظهر. والله أعلم.

وإبراهيم -صلى الله عليه وسلم- قد آتاه الله رشده، وفهَّمه وعلَّمه من أول نشأته، وهذه فضيلة لمَن نشأ مِن صغره في طاعة الله -عز وجل-، وعلى دينه؛ كما قال أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- لما تناظروا في صفة السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقال بعضهم: فلعلهم الذين وُلِدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله شيئًا، وذكروا أشياءً؛ فدل ذلك على فضيلة مَن وُلِد في الإسلام؛ لأن الله -عز وجل- قد أتم عليه نعمته، وجعله من أول نشأته على الهداية، وعلى الفطرة المستقيمة.

فهذه نعمة لا يقدرها كثيرٌ من المسلمين، ولا يرون فضل الله -عز وجل- العظيم عليهم؛ لأجل أنهم لم يقارنوا بينهم وبين غيرهم ممَّن لم يأتهم الله رشدهم، ولم يهدهم الصراط المستقيم من أول نشأتهم، مع أنهم قارنوهم في نفس الزمان، بل وكثيرًا ما يكونون معهم في نفس الأوطان، وقد نشأوا يعبدون الأوثان، ويعبدون الأبقار، ويعبدون الصلبان، مع تناقض ذلك مع الفطرة السوية؛ فهي من أعظم نعم الله على عبادة المسلمين: أنه عصمهم من السجود للصنم، وقضى لله بقَدَم الصدق في القِدَم، وهذا يوجب عليهم أن يتضرَّعوا إليه، وأن يسألوه أن يتم عليهم نعمة؛ هو ابتدأها عليهم بلا سببٍ منهم.

والله -عز وجل- يحب الشاب الذي ينشأ في عبادة الله كما هو في الحديث الصحيح في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله؛ فذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- منهم الشاب الذي نشأ في عبادة الله.

الصفحة التالية