أحداث الأردن على ضوء بيانات كلٍّ من: (الدعوة السلفية - الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين - إخوان الأردن)
الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة
دين الله مصلحة كله، ولا بد من مراعاة المآلات، وهذا الخطاب يغلب على ظننا أنه يشجِّع الحكام أن تتحد رغبتهم مع رغبة الشعوب في اتخاذ خطوات أكثر إيجابية، بينما نجزم أن الخطاب الخشن لا يفيد؛ إضافة إلى أنه يحوِّل جزءًا من اهتمام الحكومات برصد الخطر الداخلي الذي يُخشَى أن يتولد مِن هذه الخطابات الخشنة.
السؤال الرابع: هل ارتضيتم اتفاقيات السلام بين العرب والكيان الصهيوني؟
نقول: إن كل اتفاقيات السلام مع الكيان الصهيوني لو عُرِضَت على الشعوب لرفضتها -على الأقل- من جهة العاطفة، ولكن ثمة اعتراضات جوهرية تتعلَّق بها كلها أو بكثيرٍ منها؛ مثل:
1- أنها تمثِّل عقودًا مطلقة، وهذا الانتقاض شائع جدًّا؛ مما أوهم أن هناك إجماعًا على وجوب تحديد المدة في المعاهدات؛ لا سيما مع محتلٍ غاصبٍ لأجزاء من بلاد المسلمين؛ لا سيما وأن فيها القدس الشريف.
والصحيح أن ثمة مذهب يقول بجواز العقد المطلق، على أن ينبذه المسلمون إلى عدوهم متى وجدوا في أنفسهم القدرة على هذا، وكان ذلك محققًا لمصلحتهم.
وأيًّا ما يكن من خلاف فقهي في المسألة، فطالما وقع العقد مطلقًا فلم يبقَ أمامنا إلا التعامل معها من منطلق القول الفقهي القائل بجواز العقود المطلقة، وبالتالي علينا في هذه الحالة أن نكرِّس لدى الحكومات والعامة والساسة، وكل الأمة أن العقد المطلق لا يجوز إلا مع الوضع في الاعتبار أن ينسحب منه المسلمون وينبذوه لعدوهم متى وجدت فيهم القدرة على هذا واقتضت مصلحتهم ذلك. وهذا هو واقع الاتفاقيات في القانون الدولي؛ فأي اتفاقية تستطيع اتخاذ إجراءات الانسحاب منها، فيبقى هذا خيارًا متاحًا شرعًا وقانونًا.
2- اعترض الفريق "سعد الدين الشاذلي" -وغيره من العسكريين- على أن اتفاقية "كامب ديفيد" بين مصر وإسرائيل قيَّدت سلطة مصر في تسليح سيناء.
3- اعترض الكثيرون من مستشاري الرئيس السادات نفسه على أن المواد المتعلقة بحق الشعب الفلسطيني في معاهدة كامب ديفيد كانت في حاجة إلى أن يُنصَّ على دور مصري واضح في حالة الإخلال بها.
4- اعترض عموم الشعب المصري والأردني على عبارات خارجة عن مفهوم الهدنة الشرعي من الكلام على التطبيع مع العدو، وهي بنود -بفضل الله- وُلِدت ميتة، ويجب أن يبقى الصوت الإسلامي الرافض لهذه البنود، فالمعاهدة إمساك عن القتال، وليس إنهاء للعداء.
5- وأما اتفاقيات الدين الإبراهيمي فهي تجاوز لمبدأ الهدنة والمعاهدة، وتمييع للدِّين، وهي ليست اتفاقية حتى بالمعايير القانونية، بقدر ما هي فكر منحرف؛ للأسف اقتنع به قادة بعض الدول، واتفقوا مع اليهود الذين يجنون من ورائها تذويب عقيدة الولاء والبراء؛ ليتمكنوا أكثر وأكثر فيما تحت أيديهم من أراضٍ، ويتمكنوا من الغزو الفكري والثقافي!
ومع كل هذه المآخذ: فيجب أن تؤخذ في الاعتبار الظروف التي قادت الدول إلى عقد مثل هذه المعاهدات؛ فمثلًا: الشيخ "أحمد ياسين" في حلقات "شاهد على العصر على قناة الجزيرة"، ورغم انتقاده الشديد لكامب ديفيد؛ إلا أنه قال: إن العرب قد اضطروا مصر إليها؛ لكونهم لم يتحملوا النفقات الباهظة عسكريًّا، في حين أن إسرائيل تدعمها أمريكا بمليارات الدولارات.
السؤال الخامس: كيف تجمعون بين هذه الانتقادات، وبين قولكم: إن مصر مُلزَمة باتفاقيات كامب ديفيد؟
هذا الكلام ليس وليد اليوم ولم ننفرد به.
وهناك فرق بين أن تنتقِدَ الاتفاقية وأن تدعو إلى مقاومة الجزء الشعبي منها "وهو التطبيع"، وبين أن تقول للأجهزة المسؤولة ألا تراعي الاتفاقية.
وهذا كلام لم ننتحله اليوم في 2025، بل سُئلنا عنه مرارًا: هل نرى لزوم الاتفاقية؟ وهل سنسعى لإلغائها؟ فبيَّنَّا أنها لازمة لمصر، ولا يمكن أن تنصح الحكومة في مصر باعتبارها وكأنها غير موجودة، ولكن قلنا: علينا أن نسعى إلى اتخاذ أسباب القوة لتعديل شروطها، أو إلغائها بالكلية لو استطعنا (وقد أكَّد الشيخ ياسر في فتواه الأخيرة - بعد ما بيَّن لزوم الاتفاقية - بيَّن أنه يلزمنا أيضًا إلغاؤها إذا وُجِدَت القدرة على ذلك وكان في ذلك مصلحتنا كما سبق أن أوضحناه).
وهذا ما أجاب به الإخوان وغيرهم (بل كان لـ"عصام العريان" تصريحات شديدة الانفتاح على الاتفاقية والترحيب بها، وليس مجرد الالتزام الاضطراري، بل وله دعوة لليهود المصريين (الذين طردهم عبد الناصر على حدِّ وصفه -عفا الله عنه-) للعودة إلى مصر، رغم أن هذا التصريح كان كفيلًا بتوريط مصر في قضايا دولية!
مع العلم أن اليهود الذين كانوا في مصر كان معهم جنسيات أوروبية، ومن خلالها أخذ مَن غادر منهم حقوقه وفوق حقوقه، ولم يكن الأمر يحتاج إلى هذا الكرم المجاني مع الصهاينة!
بل حازم صلاح أبو إسماعيل الذي اشتهر بعدم اكتراثه بالحسابات، لما سُئِل في أثناء حملته للانتخابات الرئاسية عن الاتفاقية؛ قال: إن إلغاء اتفاقية كهذه يحتاج إلى عمل وترتيب لا يقل عن 10 إلى 15 عامًا!
السؤال السادس: ماذا لو أصبح لا وسيلة لنصرة أهل غزة إلا بالقتال معهم، فمِن ثَمَّ يجب على أهل مصر والأردن نقض الاتفاقية؛ لكي يتمكنوا من القتال مع إخوانهم؟
هذا السؤال مَن يطرحه لا يدرك أن عمليات غزة إنما كانت ممكنة؛ لكونها تخضع لما يسمَّى بـ"حرب العصابات" (هذه هي التسمية الشائعة لها)، وهي تعني قدرة جماعات صغيرة خفيفة التسليح على إيقاع نكاية خاطفة في جيش نظامي، وهذا الجيش النظامي عندما يفكر في الرد يجد أن كلفة الرد "النظامي" عالية جدًّا، فيرد ردًّا تأديبيًا خاطفًا.
ومشكلة "7 أكتوبر" أنها بلغت من الشدة مبلغًا جعلت إسرائيل تقرر الرد بطريقة الجيوش النظامية، وحينئذٍ تترس المقاتلون ذوو التسليح الخفيف بحصونهم، واستمر العدو في دكِّ المدنيين متذرعًا بفداحة ما أصابه، واضطر حينئذٍ البعض أن يقول: إنه ضرب ضربته الخاطفة وتحصَّن، ولم يكن مطلوبًا منه قياس المصالح والمفاسد!
ولو قال قائل: إنه توقع أن العملية حتى لو كانت واسعة فإن إسرائيل سوف تكتفي برد تأديبي خاطف، لقلنا: أخطأ في الاجتهاد. وأما الإصرار على أنه مهما كان رد الفعل المتوقع؛ فالفعل في ذاته صحيح ومشروع، وهو الذي حاولت حماس الدفاع عنه فترة، إلى أن عَدَّل هذا الخطاب جزئيًّا موسى أبو مرزوق.
