شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

أحداث الأردن على ضوء بيانات كلٍّ من: (الدعوة السلفية - الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين - إخوان الأردن)

الشيخ عبدالمنعم الشحات • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالدعوة السلفية لها -بفضل الله- موقفها الثابت من دعم الجهاد في كلِّ الأماكن التي يكون فيها القتال قتالًا شرعيًّا -من حيث المبدأ- موجَّهًا لأعداء الأمة، وليس لأبنائها؛ كما قد يحدث من بعض التيارات المسماة: بـ"الجهادية!".

ويأتي على رأس تلك البقاع: "فلسطين الحبيبة"؛ حيث القتال يدور ضد اليهود، وهم كفار معادون لنا، غاصبون لأرضنا ومقدساتنا. وهذا الدعم المستمر للجهاد في فلسطين لم يمنعنا أن نقدِّم النصح لهم، وكان في معظمه يدور حول علاقتهم بإيران.

وحتى في هذه النصيحة لم نغلُ فيها أو نطالب بما ليس في المقدور، بل قلنا لهم: لا بأس بقبول ما يقدمونه لكم لو كانوا يقدمون شيئًا، ولكن احذروا الاختراق المنهجي.

وأما في الآونة الأخيرة، فقد جَدَّت قضيتان في غاية الخطورة:

الأولى: ما ردَّده كثيرٌ من قادة حماس من أنه لا يلزمهم حماية المدنيين، وأن جهاد الدفع لا يجب فيه مصالح ومفاسد!

والأخطر: أنه لم يكن فقط كلام قادة ميدانيين فتحمله على أنه محاولة لتخفيف العبء عن نفسه، بل انضم إلى ذلك بعض مَن ينتسِب إلى العلم -كالشيخ الددو، ومحمد الصغير، وكثير غيرهما-؛ يشرِّعون للأمر، ويزعمون أن هذا هو دين الله!

مع أن هذا يوقعهم في تناقضٍ؛ فهم هم مَن ينادي العالم بالتدخل لإنهاء الحرب على غزة، وهم أنفسهم من دعم حماس من قبل في كلِّ المواجهات في إمضاء هدنات سابقة مع العدو. وهذا يتنافى مع ما يدعونه من كون الجهاد هناك فرض عين بلا اعتبار لقوة ولا ضعف، ولا مصلحة ولا مفسدة؛ فلو كان الأمر كذلك لما جازت الهدنة بأي حال من الأحوال، ومع هذا التناقض البيِّن، صُدِّر هذا الكلام على أنه هو دين الله!

الثانية: فتوى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين التي طالبت الشعوب بالجهاد بالسلاح، وانتشرت الفتوى بهذه الصيغة، وأُخِذَت منها عناوين رنانة في مواقع كثيرة موالية لتيار الإخوان، ثم عُدِّلت الفتوى خُفية، وحُذِف منها كلمة: (بالسلاح)، ولم يُذكَر هذا التعديل إلا في معرض النفي في محاورة لي في نقاش الجزيرة مع محمد الصغير، وقد أثبتُّ في مقالٍ بعدها فتوى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين قبل وبعد التعديل. اقرأ أيضا: فتوى الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين قبل وبعد التعديل

وهذه الفتوى سُبِقَت بفتوى "مفتي ليبيا"؛ الذي تجاوز فيها دعوة الشعوب إلى الجهاد المسلَّح إلى دعوة أفراد الجيوش إلى الذهاب منفردين للجهاد، فيذهب الطيار بطائرته!

وتلاها خطبة عصماء لمحمد الصغير قرَّر فيها: أنه لا أمل في الحكومات، ولا بد أن تزحف الشعوب، وأن هذا فرض عين، ثم زحف في هدوء إلى فندق إقامته في تركيا! مع أنه لو كان الأمر فرض عين كما زعم؛ للزمه - والطريق إلى الكيان الصهيوني من تركيا سهل ميسور -؛ فلما واجهته على قناة الجزيرة بهذا السؤال اشترط لنفسه أن يوجد معبرٌ مفتوحٌ، وألا يُعتقَل (يعني لن يذهب رغمًا عن الحكومات كما أفتى الأفراد بذلك!).

هذه الفتاوى تعني أن جمهور المسلمين يتعرَّض لتحريض وتجييش: إما أن يحدث الفوضى في بلاده (بلا أي فائدة تعود على المسلمين في غزة)، وإما أن يصفه هؤلاء المحرِّضون بأنه آثم، وبائع لدماء إخوانه. وهذه حالة يتعيَّن فيها الإنكار، وتنطبق عليها قاعدة عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة.

فتصدَّت الدعوة السلفية لهذه الفتاوى الباطلة، وفنَّدها فضيلة الشيخ ياسر برهامي في مناسبات كثيرة، مفصِّلًا لها تارة، ومقتصِدًا تارة أخرى.

ووجد الإخوان ضالتهم في إجابة سؤال بدت مختصرة بعض الشيء، فشنوا حملة تشويه واسعة النطاق حتى دخلت فيها قناة الجزيرة بكلِّ ثقلها، وكان يمكنهم لو عندهم شيء من شرف المواجهة أن يقولوا: إن الشيخ يدعم الجهاد في غزة بكذا وكذا، ولكن كلامه في هذه الجزئيات خطأ في كذا وكذا... ولكنهم زادوا على انحراف فتاواهم كذبًا؛ إذ زعموا أن هذا الدعم كان في 2009م وانقطع، مع أن الشيخ "ياسر برهامي" شارك بعد 7 أكتوبر في سبع ندوات للدعوة السلفية؛ نصرة لغزة، ورفضًا للتهجير.

ثم شاء الله -عز وجل- أنه قبل أن ينقشع غبار تلك الحملة الظالمة أن تلقي الأجهزة الأردنية القبض على خلايا تابعة للإخوان تجهِّز لتصنيع أسلحة خفيفة وتدريب الأفراد عليها، وصدر بيان سريع لإخوان الأردن يعيد إلى الأذهان بيان حسن البنا -عفا الله عنه- في حقِّ قاتلي "القاضي الخازندار"، والذي عنونه بعنوان: "هذا بيان للناس"، وبيانه الثاني بعد مقتل "النقراشي" والذي عنونه بعنوان: "ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين!".

مع أن كتب تأريخ الجماعة تحرص على أن تضع أثناء عرض هذه الأحداث عبارات تؤكد أنه لم يكن أمام الشباب "المتحمس" إلا أن يفعل هذا!

إذًا، فمَن الذي يحمس هذا الشباب، بل ويرشده إلى أن السبيل الوحيد للاستجابة لمشاعره النبيلة هو هذا الطريق؟!

ومن باب بيان الاختلاف الجوهري في الطرح، سوف أطرح أسئلة جوهرية وأجيب عنها من واقع ثلاثة مصادر:

الأول: بيانات الدعوة السلفية.

الثاني: بيانات الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين وتصريحات الدائرين في فلكه.

الثالث: بيان إخوان الأردن.

أولًا: الإجابات الموضوعية من خلال منهج وبيانات الدعوة السلفية

السؤال الأول: بماذا نخاطب الحُكَّام المسلمين في شأن نصرة غزة؟

نحمد مَن اتخذ موقفًا محمودًا؛ مثل موقف مصر والأردن من رفض التهجير، وموقف مصر والأردن والسعودية والكويت وقطر وتركيا من إرسال المساعدات، وجهود مصر وقطر في عقد اتفاقية هدنة أكثر من مرة؛ فحَمْدُ مَن اتخذ موقفًا حسنًا؛ أمرٌ فيه تشجيعٌ على الخير وتنميته؛ لا سيما إذا كان الكيل فيه بمكيالٍ واحدٍ -كما سنبيِّن-.

السؤال الثاني: ألا يمكن مطالبة الدول العربية بالمزيد؟

نعم، طالبنا الدول العربية بالضغط الاقتصادي والدبلوماسي، ومراجعة الاتفاقيات التجارية، والاتحاد؛ لكي نكون رقمًا في المعادلة.

السؤال الثالث: لكن لِمَ هذا الأسلوب الهادئ في نصيحة الحُكَّام؛ هل مِن كلمة حق عند سلطان جائر؟

الصفحة التالية