التمدد الشيعي في المغرب العربي (1) إيران والمغرب العربي
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وقد سعت إيران خلال تلك الفترة لامتلاك شبكة من العلاقات الدولية في سياق الدفاع عن مصالحها، كما رفعت من سقف الخطاب السياسي تجاه إسرائيل والولايات المتحدة ورفعت فيها من مستوى تدخلها في شؤون الدول العربية المجاورة، ومثلت منطقة المغرب العربي لإيران في هذه الفترة ساحة إضافية للحصول على تأييدها والتغلغل فيها.
ورغم تبني تصدير الثورة الإيرانية باسم الإسلام واستخدام الغزو الفكري لكسب المزيد من الأنصار، وإظهار الدفاع عن القضية الفلسطينية ومحاولة نشر المذهب الشيعي الاثني عشري في الدول التي تتحرك فيها فقد تجاهلت إيران قضية الشيشان حرصًا على عدم إثارة روسيا، ودعمت أرمينيا النصرانية في حربها ضد أذربيجان الشيعية، وعقدت تحالفات مع حكومات يسارية في فنزويلا وكوبا (انظر المصدر السابق، ص 40) .
أهمية المغرب العربي:
تُعدُّ دول المغرب العربي ذات أهمية إستراتيجية لأمورٍ عديدةٍ؛ منها: إطلالها على مضيق جبل طارق الذي يُعدُّ المنفذ بين الشرق والغرب، مع مكانتها في سوق البترول العالمية؛ إذ تُعدُّ الجزائر وليبيا من الدول المؤثرة في سوق البترول ومجموعة أوبك (الدول المصدرة للبترول)، ومعروف أهمية العوائد البترولية كمورد أساسي للدخل القومي الإيراني حيث يتحرك معه اقتصاد إيران سلبًا وإيجابًا؛ خاصة في ظل العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران منذ عام 2006 وأثرها على الأوضاع الاقتصادية في إيران؛ فمثلًا: عندما انخفضت أسعار البترول عالميًّا عام 2016 سعت إيران من خلال علاقاتها مع الجزائر إلى الحفاظ على أسعار مناسبة للبترول ودفع منظمة أوبك (الدول المصدرة للبترول) إلى مراعاة ذلك.
هذا إلى جانب مكانة دول المغرب العربي على المستوى الإفريقي سواء في الاتحاد الإفريقي أو داخل المنظمات الإقليمية الفرعية، كما أن للمملكة المغربية علاقات متطورة مع دول غرب ووسط إفريقيا، وتُعدُّ الجزائر ثاني أكبر قوة عسكرية في شمال إفريقيا بعد مصر.
وتوجد في دول المغرب العربي جاليات شيعية أكثرها قادمة من لبنان والعراق وسوريا، وقد تأسست عبر التاريخ في المغرب العربي إمارات متعددة في مذاهبها مما جعلها مفتوحة على كلِّ التأثيرات التي كانت تمارسها تلك المذاهب، فتعايشت فيها جماعات ذات مذاهب مختلفة متنوعة، ومنها المذهب الشيعي حيث نشأت في المغرب العربي الدولة الفاطمية الشيعية وامتدت من هناك إلى مصر، علاوة على رسوخ محبة آل البيت والولاء لهم في المغرب العربي، إلى جانب انتشار زوايا الطرق الصوفية بشكل لا يمكن تجاهله، وهذا يوفر أرضية تتناسب مع محاولات التمدد الشيعي هناك، حيث توجد أقلية شيعية صارت لها صلة وثيقة بإيران بعد تدشين الخميني لنظرية ولاية الفقيه التي ربطت بين الشيعة في كل مكان وبين النظام الثوري الجديد في إيران، وصار هناك من الشيعة من يدين له بالولاء وهم خارج إيران، مما يمكن معهم تسيسهم وتفعيل دورهم داخل دول المغرب العربي ومد النفوذ الإيراني هناك عبرهم، وزيادة القدرة على التدخل عبر سياسات وآليات متعددة كما حدث ويحدث في لبنان والعراق وسوريا في المشرق العربي.
ورغم ضآلة أعداد الشيعة بالنسبة إلى عدد السكان في دول المغرب العربي؛ فإن هؤلاء الشيعة يدين معظمهم بالولاء لإيران؛ لذا تسعى إيران من خلال سفاراتها إلى التواصل معهم، كما تحرص على إنشاء المراكز الثقافية واستقبال طلاب من المغرب العربي في الجامعات الإيرانية، وإرسال الصحف والمجلات الإيرانية إلى تلك الدول، وهذا الدعم له أثره في مد النفوذ الإيراني إلى تلك الدول، واختراق بعض الجماعات السنية واستقطاب تأييد البعض الآخر كجماعة الإخوان المسلمين.
ولقد كانت العلاقات بين نظام شاه إيران ودول المغرب العربي قبل ثورة الخميني علاقات عادية لا خصوصية فيها، ولكن بعد ثورة الخميني عام 1979 صارت دول المغرب العربي في دائرة اهتمام إيران، التي أخذت على عاتقها محاولة تصدير نموذج الثورة الإيرانية الشيعية إلى دول المغرب العربي عبر الاختراق الثقافي، مما أدى إلى تطور في العلاقات بين إيران ودول المنطقة ودخولها في مرحلة جديدة مهمة، حيث كان بعض تطوراتها إيجابيًّا تعاونيًّا وبعضها سلبيًّا تصارعيًّا. وقد استغلت إيران في ذلك الخلاف بين الجزائر والمغرب حول قضية الصحراء المغربية في تعزيز حضورها وخدمة مصالحها مع الدولتين، باستدراج البلدين للتنافس على تقديم مصالح وحوافز لإيران لكسب انحيازها في هذه القضية. كما حاولت إيران استثمار فرصة حالة عدم الاستقرار التي طرأت في ليبيا بعد ما عرف بالربيع العربي وسقوط نظام القذافي من أجل المزيد من التغلغل الإيراني هناك.
ولم تعارض دول المغرب العربي في بداية الأمر هذا التغلغل الإيراني والتمدد الشيعي الذي لم يثر لديها المخاوف والتحفظات أو المعارضة؛ إذ النظرة السائدة هناك تجاه إيران أنها دولة تتمتع بالجوار مع الوطن العربي وليس عليها تحفظات إلا من خلال برنامجها النووي عند بعض الأطراف، وإلا من خلال نزاعها الحدودي مع بعض الدول العربية الخليجية.
آليات السياسة الخارجية لإيران:
تتبنَّى إيران عددًا من الآليات لتنفيذ سياستها الخارجية وتحقيق التغلغل المطلوب في الدول العربية وغيرها، ومنها:
تعزيز العلاقات الدبلوماسية:
من خلال التمثيل الدبلوماسي والزيارات المتبادلة الرسمية وغير الرسمية لتوطيد العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية المتبادلة، إلى جانب استخدام برامج التعاون لتحقيق أهداف سياستها الخارجية، وتشجيع التبادل التجاري.
التعاون التجاري والاقتصادي:
من خلال إيجاد أرضية مشتركة لتوسيع العلاقات الثنائية والتبادل التجاري. وتستغل إيران حاجة بعض الدول؛ مثل: موريتانيا في دعم قطاعاتها الاقتصادية وتمويل الاستثمارات؛ كما أنها تستغل حاجة بعض الدول للاستفادة من الخبرة الإيرانية في قطاعي البترول والتكنولوجية وصيانة معامل تكرير البترول ومجال الاستكشافات البترولية.
الوسائل الإعلامية:
