شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الوصايا النبوية (عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ) (19) موعظة الأسبوع

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

عن أبي أُمَامَة رضي الله عنه: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ، فَإِنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَقُرْبَةٌ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَمَنْهَاةٌ عَنِ الْإِثْمِ، وَتَكْفِيرٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَطْرَدَةٌ لِلدَّاءِ عَنِ الْجَسَدِ ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني) .

مُجْمَلُ الْوَصِيَّةِ:

أوَّلُ ما فُرِضَ من العِباداتِ في مكة، وأوَّلُ ما نُبِّهَ عليه في المدينة؛ لما له من عَظِيمِ الأثَرِ في الإعْدادِ والتَّرْبِيَةِ: عن سعد بن هشام بن عامر، قال: قلت لأم المؤمنين عائشة -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: "حَدِّثِينِي عن قِيامِ اللَّيْلِ"، قالت: ألستَ تَقْرَأُ: ( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ) (المزمل: 1) ؟ قال: قلت: بلى، قالت: فإن أوَّلَ هذه السُّورةِ نَزَلَتْ، فقام أصحاب رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حتى انْتَفَخَتْ أقدامُهم، وحُبِسَ خاتِمَتُها في السَّماءِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، ثم نَزَلَ آخرُها، فصار قِيامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ. (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .

وعن عبد الله بن سَلامٍ قال: لما قَدِمَ رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- المدينة انْجَفَلَ الناس إليه، وقيل: قَدِمَ رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فجِئْتُ في الناس لأنْظُرَ إليه، فلما اسْتَبَنْتُ وَجْهَ رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَرَفْتُ أن وَجْهَهُ ليس بوَجْهِ كَذَّابٍ، وكان أوَّلُ شَيْءٍ تَكَلَّمَ به أن قال: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

من فَضَائِل أهل قيام الليل:

أهل القِيامِ شُرِّفُوا بذِكْرِهم في مُقَدِّمَة عِبادِ الرَّحْمن: ( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا . وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ) (الفرقان: 63، 64) .

أهل القِيامِ هم أهل شَفاعَةِ القُرْآنِ: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ ) (رواه أحمد والحاكم، وصححه الألباني) .

أهل القِيامِ هم أكْثَرُ الناس اسْتِحْقاقًا لإجابَةِ الدَّعَواتِ وتَفْرِيجِ الكُرُباتِ؛ لأنهم وافَقُوا للإجابَةِ أعْظَمَ الأوْقاتِ: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( يَنْزِلُ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرِ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ ) (متفق عليه) .

أهل القِيامِ هم أصْحابُ الشَّرَفِ والجَمالِ والقَبُولِ بين الناس: عن سهل بن سعد -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: جاء جبريل إلى النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقال: ( يَا مُحَمَّدُ، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَجْزِيٌّ بِهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُهُ بِاللَّيْلِ، وَعِزَّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ ) (رواه البيهقي، وحسنه الألباني) .

وسُئِلَ الحسن البصري -رَحِمَهُ اللهُ-: "ما بالُ المُتَهَجِّدِينَ باللَّيْلِ أحْسَنَ الناس وُجُوهًا؟" قال: "لأنهم خَلَوْا بالرَّحْمنِ جَلَّ وَعَزَّ، فألْبَسَهُمْ نُورًا من نُورِهِ".

أهل القِيامِ هم أكْثَرُ الناس تَأَهُّلًا لدُخُولِ الجِنانِ: قال -تَعَالَى-: ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ . كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ . وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) (الذاريات: 15-18) .

من قِيام النبي -صلى الله عليه وسلم-:

كان -صلى الله عليه وسلم- يَجْتَهِد في قيام الليل اجْتِهادًا شَدِيدًا، مع ما له من المَكانَةِ عند رَبِّهِ، وضَمانِهِ الجَنَّةَ: عن عائشة -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: أن نَبِيَّ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كان يَقُومُ من اللَّيْلِ حتى تَتَفَطَّرَ قَدَماهُ، فقالت عائشة: لِمَ تَصْنَعُ هذا يا رسول الله، وقد غَفَرَ اللهُ لك ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ؟ قال: ( أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا؟ ) (متفق عليه) .

بل كان لا يَدَعُهُ حَضَرًا ولا سَفَرًا، ولا صِحَّةً ولا مَرَضًا: عن عبد الله بن قيس، قال: قالت لي عائشة -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا-: "لَا تَدَعْ قِيَامَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَانَ لَا يَدَعُهُ، وَكَانَ إِذَا مَرِضَ أَوْ كَسِلَ، صَلَّى قَاعِدًا" (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، وعن ابن عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: "كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ، حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ، يُومِئُ إِيمَاءً صَلَاةَ اللَّيْلِ، إِلَّا الْفَرَائِضَ، وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ" (متفق عليه) .

من قيام السلف -رضي الله عنهم-:

الصفحة التالية