شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الوصايا النبوية (عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ) (19) موعظة الأسبوع

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

أدْرَكُوا فَضْلَ القِيامِ بالأسْحارِ، فكانوا يَحْرِصُونَ عليه باسْتِمْرارٍ: قال معاوية بن خديج: قال لي عمر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: "لَئِنْ نِمْتُ النَّهَارَ لَأُضَيِّعَنَّ الرَّعِيَّةَ، وَلَئِنْ نِمْتُ اللَّيْلَ لَأُضَيِّعَنَّ نَفْسِي، فَكَيْفَ بِالنَّوْمِ مَعَ هَذَيْنِ يَا مُعَاوِيَةُ؟" (الزهد لأحمد بن حنبل) ، وعن عبد الله بن أبي مَلِيكَةَ قال: "صَحِبْتُ ابن عباس من مكة إلى المدينة، فكان إذا نَزَلَ قام شَطْرَ اللَّيْلِ" (حلية الأولياء) ، وعن طارق بن شهاب قال: "أتيت سلمان الفارسي -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قلت: لأنْظُرَنَّ كيف صَلاتُهُ؟ فكان يَنامُ من اللَّيْلِ ثُلُثَهُ" (المصدر السابق) .

بل يحتفلون بالنصر والفتح بقيام الليل فتفتح قلوب العباد لهم: ففي قِصَّةِ إسْلامِ هند بنت عتبة صَبِيحَةَ فَتْحِ مكة، قالت: "فأتيت أبا سفيان، فقلت: إنما أريد أن أتَّبِعَ محمدًا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-. فقال: قد رأيتك تَكْرَهِينَ هذا الحَدِيثَ أمسِ. قالت: إني والله ما رأيت أن عُبِدَ الله حق عِبادَتِهِ في هذا المَسْجِدِ قبل اللَّيْلَةِ، والله إن باتوا إلا مُصَلِّينَ قِيامًا ورُكُوعًا وسُجُودًا" (حياة الصحابة) .

لماذا ثَقُلَ علينا قيام الليل؟!

الأسْبابُ كَثِيرَةٌ، وهي تَتَضَمَّنُ أسْبابًا مادِّيَّةً، وأسْبابًا مَعْنَوِيَّةً، ولكن مُراعاةً لعدم الإطالَةِ وَقَفْنا على أبْرَزِها:

- كَثْرَةُ الذُّنُوبِ والمَعاصي: قال النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( لَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ، وَلَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الحافظ ابن حجر) ، وقال رجل للحسن البصري: "يا أبا سعيد، إني أبِيتُ مُعافًى، وأحِبُّ قِيامَ اللَّيْلِ، وأعِدُّ طَهُورِي، فما لي لا أقُومُ؟ فقال: ذُنُوبُكَ قَيَّدَتْكَ!".

- كَثْرَةُ السَّهَرِ بلا فائِدَة: عن أبي بَرْزَةَ -رضي الله عنه- قال: "كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَ الْعِشَاءِ، وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا) (متفق عليه) ، وكان عمر -رضي الله عنه- يَضْرِبُ الناس بالدِّرَّةِ بعد العِشاءِ، ويقول: "أسْمَرٌ أوَّلَ اللَّيْلِ ونَوْمُ آخِرِهِ؟!" (رواه ابن أبي شيبة في مُصَنَّفِهِ) .

- كَثْرَةُ الطَّعامِ قبل النوم: قال بعض الصالِحِينَ: "لا تَأْكُلُوا كَثِيرًا فَتَشْرَبُوا كَثِيرًا، فَتَرْقُدُوا كَثِيرًا، فَتَنْدَمُوا عند المَوْتِ كَثِيرًا".

أسباب معينة على قيام الليل:

وهي كذلك كثيرة؛ فمنها: أسْباب مادية وأسباب معنوية، ولكننا مُراعاة لعدم الإطالَة نقف على أبرزها:

- اسْتِحْضارُ فَضْلِ قِيام الليل وجَزاء ذلك عند الله: قال -تعالى-: ( تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ . فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (السجدة: 16، 17) .

- النوم على نية القيام: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ أَتَى فِرَاشَهُ وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يَقُومَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ حَتَّى أَصْبَحَ، كُتِبَ لَهُ مَا نَوَى، وَكَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةً عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ -عَزَّ وَجَلَّ -) (رواه النسائي، وصححه الألباني) .

- مُجاهَدَةُ النَّفْسِ المَجْبُولَةِ على حُبِّ الراحَة وعدم الاسْتِسْلام: قال -تعالى-: ( وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ) (العنكبوت: 69) ، وقال ثابت البناني: "كابَدْتُ نَفْسِي على قِيامِ اللَّيْلِ عِشْرِينَ سَنَةً، وتَلَذَّذْتُ به عِشْرِينَ سَنَةً" (سير أعلام النبلاء للذهبي) .

- اسْتِشْعارُ أن الله يَرى ويَسْمَعُ صَلاتَكَ بالليل ويُباهي بك ملائكته: قال -تعالى-: ( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ . الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ . وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ . إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (الشعراء: 217-220) ، وعن عبد الله بن مسعود عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( عَجِبَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ مِنْ رَجُلَيْنِ: رَجُلٍ ثَارَ عَنْ وِطَائِهِ وَلِحَافِهِ، مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ وَحَيِّهِ إِلَى صَلَاتِهِ، فَيَقُولُ رَبُّنَا: أَيَا مَلَائِكَتِي، انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي، ثَارَ مِنْ فِرَاشِهِ وَوِطَائِهِ، وَمِنْ بَيْنِ حَيِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلَاتِهِ، رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقَةً مِمَّا عِنْدِي ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) .

خاتمة:

في زمان الفتن والآلام تصبَّر بالقيام: قال محمد بن المُنْكَدِر -رحمه الله-: "ما بَقِيَ من لَذَّاتِ الدُّنْيا إلا ثَلاثٌ: قِيامُ اللَّيْلِ، ولِقاءُ الإخْوانِ، والصَّلاةُ في الجَماعَةِ" (إحياء علوم الدِّين للغزالي) .

فاللهم أعنَّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

الصفحة السابقة