التمدد الشيعي في المغرب العربي (2) التمدد الشيعي في المملكة المغربية
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وتلعب السفارة الإيرانية في بلجيكا والجهات الدعوية التابعة لها دورًا مهمًّا في تشييع المهاجرين المغاربة من خلال المساعدات المالية الشهرية للشباب المغربي القادم إلى بلجيكا، وتشجيعهم على الزواج الذي يُمَكِّنُهم من الحصول على أوراق الإقامة في بلجيكا، مع ربطهم بشخصيات تَدِين بمرجعية الفقيه الشيعي، إلى جانب تمويل زيارات وأنشطة يقوم بها هؤلاء الشباب إلى إيران، وهو ما مهد لتأسيس جالية شيعية مغربية في بلجيكا.
موقف المغرب الرسمي من التمدد الشيعي:
تأرجح موقف المغرب الرسمي من هذا التمدد الشيعي بين التراخي والتشدد:
- فكانت هناك فترات من التراخي والصمت استندت فيها الحكومة المغربية إلى أن إيران لا تُمَثِّل تهديدًا للمصالح الحيوية في المغرب، فكان هناك التعاون الاقتصادي والتجاري والتبادل السياحي والعلاقات الثقافية، هذا رغم أن المخابرات والأجهزة الأمنية المغربية كانت ترى أن إيران تهدد المغرب من خلال تجنيد وتدريب عناصر مغربية، ومن خلال انخراطها في نشر الفكر الشيعي، لكن في عام 2009 اتخذت الحكومة المغربية موقفًا حازمًا بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران بسبب النشاطات الإيرانية الثابتة والتي تستهدف الهوية الراسخة للشعب المغربي ووحدة عقيدته ومذهبه السني المالكي بما يعني تحذير نشطاء التيار الشيعي في المغرب.
وقد قامت السلطات الأمنية المغربية بالتحقيق مع عشرات المواطنين المشتبه في اعتناقهم المذهب الشيعي أو التورط في محاولة نشر التشيع في البلاد. كما تم إغلاق المدرسة العراقية التكميلية في الرباط بالمغرب بسبب استغلالها في نشر المذهب الشيعي، كما تمت مصادرة الكتب الشيعية من صالات عرضها والمكتبات التي تبيعها.
ومع ذلك فقد شهدت الأوضاع بعض التغير منذ عام 2012 حيث اعترفت السلطات المغربية بتأسيس بعض المؤسسات لشيعة مغاربة، وسمحت لهم بالاحتفال الجماعي بيوم عاشوراء بحضور المئات في قاعة للاحتفالات بمدينة (طنجة).
وقد ترددت وتباطأت السلطات المغربية من قبل في منح حزب (البديل الحضاري) الترخيص بالعمل حتى عام 2005، كما رفضت السلطات المغربية منح (حركة الأمة) رخصة إنشاء الحزب، ثم قامت الحكومة المغربية بحل حزب (البديل الحضاري) عام 2008 بعد تأكيد أجهزة الأمن ارتباطه بشبكة إرهابية وعلاقته بتنظيمات شيعية، وضبط كميات متنوعة من الأسلحة وأموال بالعملة الأجنبية.
ويُعَدُّ حزب البديل الحضاري حزبًا إسلاميًّا ينطلق من رؤية الانفتاح والتعامل مع الأحزاب الأخرى في ظل الديمقراطية المعمول بها، وقد حصل على ترخيصه القانوني عام 2005 بعد ممانعة طويلة سببها وجود قناعات شيعية عند بعض قادته. وهو يُعَدُّ ثالث حزب سياسي مغربي بتوجه إسلامي رُخِّص له بالعمل بعد حزبي (العدالة والتنمية) و(النهضة والفضيلة). وقد تم حل الحزب في فبراير 2008 وإغلاق مقراته ومصادرة ممتلكاته وإلزام مسؤوليه بعدم مزاولة أي نشاط سياسي باسم الحزب.
وقد رفضت السلطات المغربية كذلك منح (حركة الأمة) رخصة إنشاء حزب سياسي لها في ظل التخوف من محاولات التغلغل الإيراني في الساحة السياسية المغربية، خصوصًا مع زيادة التأييد السياسي في الأوساط الشيعية المغربية.
وظاهر الأمر: أن السلطات المغربية تحاول ألا تَجْعَل من ظاهرة التشيع في المغرب حدثًا إعلاميًا أو حقوقيًا ربما لتجنب الانتقادات الغربية المتكررة بشأن الحريات في المغرب، لذا فهي تُرَكِّز جهودها على المراقبة الأمنية وقياس الحجم الحقيقي الكمي والنوعي للتيار الشيعي لتحجيمه أو ترويضه ليكون بعيدًا عن العمل السياسي، وبعيدًا عن الإخلال بوحدة الدولة واستقرار الثوابت الدينية فيها.
موقف الأحزاب والشعب في المغرب من المد الشيعي في البلاد:
أعلن حزب (الأصالة والمعاصرة) في المغرب دعمه لقطع الحكومة المغربية علاقاتها مع إيران عام 2009، واستنكر سياسة الاختراق المذهبي الشيعي والتدخل السافر في شؤون المغرب الداخلية، وزرع الفتنة في البلاد خدمة للأطماع الإيرانية في المنطقة؛ كما سارعت حركة (التوحيد والإصلاح) إلى تأييد موقف الحكومة دفاعًا عن سنية المغرب ووحدته العقائدية.
وتُعَدُّ حركة (التوحيد والإصلاح) من الحركات الإسلامية التي تُمَثِّل الإخوان المسلمين في المغرب، ولها حضور دعوي من سبعينيات القرن العشرين الماضي من خلال أنشطة المجتمع المدني والجمعيات، ثم اتخذت شكلها الحالي باسم (التوحيد والإصلاح) منذ عام 1996 إثر الوحدة الاندماجية التي تمت بين (الإصلاح والتجديد) و(رابطة المستقبل الإسلامي)، كما استنكر وأدان حزب التجمع الوطني للأحرار المغربي ممارسات البعثة الدبلوماسية الإيرانية بالمغرب وتدخلها في شؤون المغرب الداخلية.
وقد تصاعدت أصوات العلماء هناك خاصة من التيار السلفي بضرورة التصدي للتحركات الشيعية وقطع الطريق على ممارسة الأنشطة الشيعية في البلاد، كما نددوا بالدور الذي تؤديه السفارة الإيرانية في نشر التشيع، ووجهوا بضرورة التصدي لنشر التشيع بين أبناء الجالية المغربية بالخارج.
وحاصل القول: إنه على الرغم من أفق انتشار التشيع في المغرب فإن الهجمات المضادة التي واجهها -ويواجهها- هذا التيار سواء من طرف الحركة السلفية ووجوهها المعروفة في المغرب، وكذلك من تضييقات الدولة التي تحد من حرية التشيع، والدور الذي تُقَدِّمُه مؤسسات الدولة الدينية هناك في بناء العقيدة الصحيحة، وبالتالي التحصين من هذا الغزو الفكري الشيعي، بالإضافة إلى الحرب المعلنة على التشيع في مواقع التواصل الاجتماعي، تُمَثِّل جميعها معًا حائط صد له تأثيره أمام التغلغل الشيعي في المملكة المغربية.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.
