التمدد الشيعي في دول المغرب العربي (3) التمدد الشيعي في الجزائر
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وتتولى السفارات الإيرانية من خلال نشر المذهب الشيعي التبشير بالنموذج السياسي للجمهورية الإيرانية القائم على ولاية الفقيه، من خلال توزيع الكتب والرسائل وتقديم تسهيلات للسفر إلى طهران وقم والنجف وتقديم المنح للدراسة في المدارس الدينية هناك. ومن الأساليب التي اتبعت في طرح المذهب الشيعي في الجزائر، خاصة في مناطق القبائل وأماكن تواجد (الأمازيغ)، عرضه على أنه عودة إلى ماضي الجزائر، لا على أنه منتج خارجي مستورد، أي بوصفه عودة إلى الجذور وإعادة ذكرى الماضي الفاطمي في الذاكرة الجماعية وضمن الموروثات الثقافية، أي تقديمه كأحد مكونات الهوية الخاصة بالجزائر، لذا يرى المتحولون إلى التشيع، خاصة من الأمازيغ الذين يعانون من التمييز، أن أسلافهم كانوا على التشيع من قبل مع تأسيس الدولة الفاطمية في المغرب العربي.
وفي عهد رئاسة بوتفليقة للجزائر، نشطت الدعوة للتشيع وتدرجت وظهرت نتائجها في منتصف التسعينيات، حيث قدر الأمن الجزائري في عام 1996 عدد الشيعة في الجزائر بنحو ألف شخص، وازداد العدد إلى ثلاثة آلاف في عام 2010، وقد تردد الكثيرون منهم على طهران وقم والنجف. وهؤلاء لهم مرجعياتهم الشيعية التي يتبعونها ويدينون لها بالولاء، فمنهم من مرجعيته مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي ومنهم من يتبع الخوئي أو غيرهما. والإيمان الحقيقي عند هؤلاء هو في الولاء لإيران، فهي في نظرهم ترفع راية الإسلام، ودولة تدعم المقاومة في لبنان وفي فلسطين، وثورتها ثورة ناجحة قوية، وبعكس الدول العربية، ليس لإيران علاقة مع الشيطان الأمريكي أو مع إسرائيل، بل تظهر العداء الصريح لهما، وهي أيضًا بلد متقدم توشك أن تنضم إلى مصاف الدول النووية.
الموقف الرسمي والشعبي من التشيع الإيراني:
كان موقف السلطات الجزائرية في بادئ الأمر عدم الاهتمام بالتمدد الشيعي لكونه لا يشكل خطورة على نظام الحكم القائم، ثم توترت العلاقات بين البلدين مع اتهام إيران بالتدخل في الشؤون الداخلية في الجزائر، خاصة اتهامها بدعم حركة الإسلام السياسي، ثم تحول الأمر إلى مهادنة في ظل تجدد وتوغل العلاقات السياسية بين الجزائر وإيران، لكن غالبية الشعب الجزائري ترفض المنتمين للتشيع وتتمسك بالمحافظة على اختيار الدولة التاريخي للمذهب المالكي السني، وهذا ما يجعل السلطات الجزائرية لا تهتم كثيرًا بوجود المذهب الشيعي أو الدعوة إليه، وإن تابعت بحذر تحركات الشيعة خشية توظيفهم من قبل أطراف معادية، فنظرتها نظرة قاصرة على المخاوف السياسية.
بينما يشن التيار السلفي في الجزائر على التشيع هناك حربًا قوية، خاصة من جبهة الصحوة السلفية، والتي ترى أن الشيعة يشكلون خطرًا على الجزائر، باعتبار أن هذا التغلغل الشيعي يستمد وجوده من الدعم الإيراني المرتبط بالتوسع وفرض السيطرة والنفوذ، وعليه فالجزائر ليست في معزل عن الأطماع الإيرانية بتصدير الثورة إليها، مما يوجب تحجيم الدعوة للتشيع عبر تحرك مضاد لها.
وخلاصة القول: إن الموقف الحكومي الجزائري يتأثر بدرجة كبيرة بالحسابات السياسية وبالعلاقات الدبلوماسية مع إيران لا بالبعد الديني أو خطورة الوضع على المجتمع، وهذا بخلاف الموقف الشعبي الذي يقوده علماء الدين ورجاله والمثقفون في المجتمع الجزائري الذين تعالت أصواتهم محذرين من خطورة التغلغل الشيعي الإيراني على وحدة المجتمع وعلى الأمن القومي الجزائري، ويرون أن التمدد الشيعي في المجتمع الجزائري قد بلغ مدى يستوجب التعامل الجدي معه من خلال التحرك السريع من الحكومة الجزائرية. ولعل هذا ما ترجمه وزير الشؤون الدينية والأوقاف الجزائري في مايو 2016 عندما صرح بأن تزايد حركات التشيع في الفترة الأخيرة يؤكد أن الجزائر مستهدفة، وأن هناك إرادة أجنبية تريد التشويش على الجزائر من خلال سعيها إلى نشر فكرة الطائفية وتقوية حركات التشيع، خاصة على مستوى الولايات الحدودية الشرقية والغربية للجزائر. (راجع في ذلك المصدر السابق، ص 114، 115) .
وللحديث بقية -إن شاء الله-.
