شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

التمدد الشيعي في دول المغرب العربي (3) التمدد الشيعي في الجزائر

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فتُعدُّ الجزائر المنطلق الرئيسي الذي تطلعت له إيران للانتشار في منطقة المغرب العربي وغرب إفريقيا، لذا سعت إلى إقامة علاقات دبلوماسية واسعة معها في ظل ما تتعرض له علاقاتها مع المشرق العربي من أزمات.

وترجع بدايات العلاقات الطيبة بين الجزائر وإيران إلى دور الوساطة التي قامت بها الجزائر في السبعينيات من القرن العشرين لحل النزاع الحدودي بين إيران والعراق بشأن (شط العرب) في عهد شاه إيران الراحل محمد رضا بهلوي، وهي الوساطة التي أسفرت عن توقيع (اتفاقية الجزائر) عام 1975، ثم كانت الوساطة الثانية عام 1981 بعد قيام ثورة الخميني في إيران بخصوص حل أزمة الإفراج عن خمسين دبلوماسيًّا أمريكيًّا كانوا رهائن محتجزين في السفارة الأمريكية بطهران منذ نوفمبر 1979، وقد أعقب ذلك زيارة الرئيس الجزائري لطهران في عام 1982 خلال الحرب بين إيران والعراق.

وكذلك قيام الجزائر بدور الوساطة خلال الحرب الإيرانية العراقية (من 1980 إلى 1988)، وهي الوساطة التي شهدت مقتل وزير خارجية الجزائر بعد تحطم طائرته في ظروف غامضة في مايو 1982 على الحدود العراقية التركية. وقد اتخذت الجزائر في الحرب العراقية الإيرانية موقفًا مخالفًا لأغلبية الدول العربية بعدم مساندتها للعراق ضد إيران، لكنها سخرت إمكانياتها من أجل الوساطة لحل النزاع بين البلدين، وهي جهود ساهمت في التخفيف من حدة الأزمة لئلا تأخذ أبعادًا مأساوية تهدد المنطقة بأكملها، لكن العلاقات بين الجزائر وإيران توترت فجأة إلى حد المقاطعة بعد انتخابات الجزائر عام 1991 وفوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ في الجزائر بها، وما أعقب ذلك من تدخل الجيش الجزائري وإلغائه المسار الانتخابي مطلع 1992، وما أثير وقتها من قبل الجزائر حول تورط طهران في دعم الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وتدخلها في شؤون الجزائر الداخلية. ثم كانت التصريحات الإيرانية عقب اغتيال الرئيس الجزائري الراحل محمد بوضياف في مارس 1993 التي رأت بسببها الجزائر أن تقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران.

بعد فوز الرئيس الإيراني محمد خاتمي بالانتخابات الرئاسية في مايو 1997، توافرت الإرادة السياسية لدى الجانبين لإزالة التوتر بين البلدين وبناء الثقة بينهما من جديد، وترميم الجسور في ظل سياسة الانفتاح الإيراني التي اتبعها الرئيس الإيراني.

وبعد انتخاب الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة في إبريل 1999، تحسنت العلاقات بين البلدين أكثر، خاصة بعد لقاء ودي جمع بين الرئيسين الإيراني خاتمي والجزائري بوتفليقة عام 2000. وبالفعل تم استئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين عام 2003 الذي شهد زيارة بوتفليقة لإيران في أكتوبر 2003، وهي الزيارة التي كان لها الأثر الكبير في تحسن العلاقات بين البلدين بعد القطيعة لسنوات، حيث بلغت العلاقات بينهما مستويات عالية غير مسبوقة من التعاون والتنسيق في المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية، وقد اكتسبت زيارة الرئيس خاتمي للجزائر بعدها في أكتوبر عام 2004 أهمية خاصة لكونها أول زيارة لرئيس إيراني للجزائر بعد قيام الثورة الإيرانية عام 1979.

ومع وصول الرئيس الإيراني أحمدي نجاد للحكم، قام نجاد بعدة زيارات للجزائر، اختتمها بزيارة قصيرة للجزائر خلال شهر سبتمبر 2010 قادمًا من سوريا، ولتوطيد العلاقات بين البلدين، حرصت إيران على تبادل الزيارات الرسمية بين المسؤولين في البلدين وبصورة منتظمة مع إظهار الحفاوة في مظاهر الاستقبال فيها. وقد استفادت إيران من دعم علاقاتها الاقتصادية مع الجزائر بإقامة شراكات ومصالح اقتصادية مشتركة؛ منها: إقامة معرض لبيع سيارات شركة (سابيا)، والاتفاق على تصدير سيارات (سمند) للجزائر. ومنها: إنشاء مجمع (إيران خودرو) الصناعي لإنتاج قطع غيار السيارات ودخول هذا المجمع للسوق الجزائري. ومنها: إنشاء مصنع للأسمنت بطاقة مليون طن سنويًّا، تساهم فيه إيران بنسبة 51% وغيرها من المشروعات. وقد بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في عام 2008 ما مقداره 25 مليون دولار، وقد ساعد هذا التبادل الاقتصادي إيران في سياستها الرامية إلى نشر التشيع الاثني عشري في الجزائر من خلال:

الوصول إلى رجال الأعمال والنخبة الاقتصادية في الجزائر.

النفاذ إلى السوق الجزائري لتعويض وتخفيف آثار الحصار الاقتصادي المفروض على إيران من الدول الغربية.

حرية الحركة داخل الجزائر من خلال هذه القنوات السياسية والاقتصادية وتقوية حضور إيران الثقافي والمذهبي. وقد قدمت إيران في هذه الفترة الكثير من الحوافز الاقتصادية لإغراء الجزائر لتوثيق وتقوية علاقاتها بها.

التواجد الشيعي في الجزائر:

عرفت الجزائر التشيع الإسماعيلي قديمًا خلال فترة الدولة الفاطمية (الدولة العبيدية) في المغرب العربي. وفي العصر الحالي، يتواجد شيعة اثنا عشرية في غرب الجزائر على الحدود الجزائرية المغربية، وكذلك في شرق الجزائر في المناطق المتاخمة للحدود مع تونس، وتُعدُّ ولاية (وهران) أكثر الولايات الجزائرية في عدد الشيعة بها، كما توجد نسبة صغيرة من الشيعة في وسط الجزائر في العاصمة الجزائر، ونسبة أخرى أيضًا صغيرة في الجنوب.

وللجالية العراقية والسورية تأثير ودور كبير في نشر التشيع في الجزائر، خصوصًا من المدرسين العراقيين والسوريين الذين وفدوا إلى الجزائر في الثمانينيات من القرن الماضي. وقد سافر عدد من الجزائريين للدراسة في الحوزات العلمية في إيران والعراق، منهم من بقي هناك ومنهم من عاد إلى الجزائر. وقد نقلت صحيفة الشروق الجزائرية عن وزير الشؤون الدينية والأوقاف الجزائري تصريحًا ذكر فيه أن هناك عشرات من الجزائريين موجودون في مدينة قم الإيرانية لدراسة المذهب الشيعي. (ينظر: التغلغل الإيراني في دول المغرب العربي: الآليات والتداعيات وخيارات المواجهة، تأليف حمدي بشير - مركز الخليج العربي للدراسات الإيرانية، ط. 1439، ص 106) .

الصفحة التالية