التمدد الشيعي في دول المغرب العربي (4) التمدد الشيعي في تونس
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وينتشر المذهب الجعفري حديثًا في تونس حيث يعتنقه عدة آلاف من التونسيين في العَدِيد من الولايات والمدن بما فيها العاصمة تونس. وتظهر تلك الأنشطة الشيعية من خِلالِ إقامة الاحتفالات والمراسم الدينية، حيث يتم فيها تبادل وتوزيع الكتب والرسائل والأشرطة الصوتية المسجلة، ويمارس الشيعة الشعائر المذهبية بحرية وبدون مُضايَقاتٍ، ومنهم شيعة تونسيون درسوا المذهب الجعفري في إيران أو سوريا.
وقد أنشأت أول (حسينية) للشيعة في تونس في مدينة (قابس) التي تضم أعدادًا كبيرة منهم، الذين يعقدون في مقرات الجمعيات الدينية الشيعية مجالس خاصة أشبه بالحسينيات للتجمع والتعارف ولجذب والاسْتِقْطابِ.
ويعد الدكتور محمد التيجاني السماوي الشيعي التونسي صاحب كتاب (ثم اهتديت)، الذي يروي فيه قِصَّةَ انْتِقاله وتَحَوُّلِه إلى التَّشَيُّعِ، من أبرز المُعْتَنِقِينَ للمذهب الشيعي في تونس وأبرز الدعاة إليه. وللتيجاني مؤلفات عديدة نالت رَواجًا بين الشيعة. ويذكر التيجاني أنه هَجَرَ التصوف على يد دكتور عراقي، وسافر إلى النجف الأشرف، حيث تَشَيَّعَ مُتَّخِذًا من المرجع الإيراني الخوئي مرجعًا له يقلده، وقد تَعَدَّدَتْ بعدها زياراته للنجف وتَعَدَّدَتْ لقاءاته مع علمائها الشيعة في مُناسَباتٍ كثيرة، وقد وكله الخوئي في التصرف في خمس الزكاة نيابة عنه.
وممن كان له نَشاطٌ بارز وباع كبير في نشر التَّشَيُّعِ في تونس (شاكر الشرفي) أستاذ مادة الفكر الإسلامي بالمعاهد الثانوية، حيث تَشَيَّعَ على يديه العَشَرات من التونسيين خلال 20 عامًا، حيث كانت الكتب والجرائد تُرْسَلُ إليه من إيران فيقوم بتوزيعها بنفسه على الشباب المُتَشَيِّعِينَ، وعلى الراغبين في التَّعَرُّفِ على واسْتِكْشافِ المذهب الشيعي، ومنها مراجعات لشرف الدين الموسوي، وكتب للخميني خاصة كتابه (الحكومة الإسلامية) لنشر التَّشَيُّعِ بين التونسيين. وقد زار الشرفي إيران مرتين حيث التقى بكل من أحمدي نجاد ومحمد خاتمي، كما قابل محمد التسخيري رئيس مجمع التقريب بين المذاهب، بالإضافة إلى مُقابَلَةِ عدد كبير من رجال الدين الإيرانيين في طهران، وقد كان مُقَرَّبًا من السفارة الإيرانية قبل أن يختلف معها.
تَدَرُّجُ التَّمَدُّد الشيعي في تونس:
بدأ التَّشَيُّعُ في تونس عَقِبَ الثورة الإيرانية بظهور حركة المسلمين السائرين على خط الإمام (أي: خط الخميني) في الثمانينيات، بمساندة وتأييد من حركة الاتجاه الإسلامي؛ مما ساهم في زيادة أعداد المُناصِرِينَ الذين التفوا حول مؤسسة (آل البيت)، تلا ذلك ظهور تيار طلابي تونسي باسم (خط الإمام) نسبة إلى الخميني، وقد زاد انتشار ذلك التيار بعد تَراجُعِ حركة الاتجاه الإسلامي في التسعينيات وتَطَوُّرِ العَلاقات الدبلوماسية بين إيران وتونس، وتَعَدَّدَتِ اللقاءات بين المسؤولين التونسيين والعناصر المُتَشَيِّعَةِ في تونس لكن بصورة غير رسمية.
وقد تأسست في تلك الفترة (جمعية آل البيت الثقافية)، ومن أهدافها الظاهرة إحياء مدرسة أهل البيت. وبعد الثورة الشعبية في تونس اسْتَغَلَّ الشيعة مناخ الحرية السائد بعد الثورة وإلغاء التراخيص والقيود على ما يعوق اسْتِقْدام الكتب والمجلات الإيرانية، وسعوا لنشر دَعْوَتِهم أكثر بين الشباب لحجز مَساحَةٍ لهم في المشهد التونسي.
واهتم الشيعة بتأسيس الجمعيات ذات الاهتمام الثقافي والاجتماعي؛ منها: (رابطة التسامح التونسي)، والتي اتهمت بالسعي إلى تنفيذ المشروع الشيعي بتمويل من إيران عَبْرَ التظاهر بالدفاع عن القضية الفلسطينية، ومُعاداةِ التطبيع مع الكيان الصهيوني كوسيلة لكسب الشرعية في تونس كمرحلة أولى للانطلاق بعدها لتنفيذ مشروع التَّمَدُّدِ الإيراني الشيعي في تونس، ومنها كذلك إنشاء جمعية (المودة الثقافية)؛ كما افتتحت مكتبات عديدة مُتَخَصِّصَةٌ في الترويج لكتب الشيعية من أبرزها مكتبة باسم: (الشاملة).
ومن الناحية السياسية: فقد شهدت تونس بُرُوزَ حزبين سياسيين يستندان إلى مرجعية شيعية، وهما: (حزب الوحدة) الذي حصل على الترخيص القانوني بتأسيسه، وتأسس في أواخر شهر يناير 2013، وهو حزب يستند إلى المرجعية الشيعية دون الإفصاح عن ذلك، فكانت مواقفه السياسية مُتَوافِقَةً مع المواقف السياسية لإيران، مع ادِّعاء الحزب في أدبياته أنه لا يدعو إلى مذهب أو طائفة، مع المطالبة بضرورة حُرِّيَّةِ المعتقد وممارسة الشعائر الدينية، وضرورة حياد المؤسسة الدينية الرسمية المُمَثَّلَةِ في وزارة الشؤون الدينية ووقوفها على بُعْدٍ واحد من كل المذاهب الإسلامية. وقد شارك هذا الحزب في أول انتخابات تشريعية في تونس في ثلاث دوائر ولم يحصل على أي مقعد.
والحزب الآخر هو (حزب الله) التونسي، لكنه لم يحصل على ترخيص قانوني له، وكان يستند أيضًا إلى المرجعية الفقهية للمذهب الشيعي، واختير له اسم حزب الله تيمُّنًا بحزب الله اللبناني.
العَلاقة مع الإسلام السياسي:
كانت حركة النهضة التونسية من أوائل الحركات الإسلامية في تأييد ثورة الخميني في إيران عام 1979، وعملت على أن توفر لكوادر الحركة أدبيات سريعة وعامة عن الشيعة بعد أن كانت برامجها قبل ذلك خالية تمامًا من هذا الأمر. واتبع ذلك تأسيس نواة شيعية في جنوب تونس، وتلاه تشجيع عَناصِرَ من بعض الجهات الإيرانية والعراقية للترويج للمذهب الشيعي داخل الأوساط الشعبية وطلاب المدارس خاصة العَناصِرَ الموالية لحركة الاتجاه الإسلامي.
وقد أبدى راشد الغنوشي زعيم حركة الاتجاه الإسلامي (حركة النهضة حاليًا) إعجابه بالثورة الإيرانية عند قيامها ونَجاحِها في الإطاحة بنظام شاه إيران الراحل. وقد ذكر الغنوشي في كتابه (الحركة الإسلامية والتحديث) أنه بنجاح الثورة في إيران بدأ الإسلام دورة حضارية جديدة، وذكر أن مصطلح الحركة الإسلامية ينطبق على ثلاثة اتجاهات كبرى: الإخوان المسلمين والجماعة الإسلامية في باكستان، وحركة الإمام الخميني في إيران، مؤكدًا على أن الخلاف بين عامة المسلمين (السنة) والشيعة ما هو إلا خِلافٌ وهمي!
