التمدد الشيعي في دول المغرب العربي (4) التمدد الشيعي في تونس
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وفي إطار مُواجَهَةِ النظام التونسي الحاكم لحركة الاتجاه الإسلامي في الثمانينيات ونَظْرَتِهِ المُتَوَجِّسَةِ للتَّقابُلِ بين الثورة الإيرانية وحركة الاتجاه الإسلامي أقدم النظام التونسي على قطع عَلاقاته الدبلوماسية مع إيران. ولكن مع تَحَوُّلِ العَلاقة بين النظام التونسي وإيران وتحسنها في بداية التسعينيات حَرَصَتْ إيران على المحافظة على استمرار هذه العَلاقة مع نظام زين العابدين، وهو ما دفعها إلى رفض استقبال الغنوشي على أراضيها، وهو ما أدى إلى اتخاذ الغنوشي وقتها لموقف مُغايِرٍ تجاه إيران.
دور السفارة الإيرانية في تونس:
أقامت السفارة الإيرانية كما هو مُتَوَقَّعٌ منها عدة فَعاليات وأنشطة ثقافية حَضَرَ فيها أساتذة إيرانيون، وقد ساهمت تلك الأنشطة المُتَّفَقُ عليها بدورها في الترويج للتَّشَيُّعِ في تونس، واحتضان المُتَشَيِّعِينَ من التونسيين من خِلالِ توفير المراجع والكتب الشيعية لهم، وتمكين أولئك الراغبين منهم من الالتحاق بالدراسة في الحوزات العلمية الشيعية في سوريا أو العراق، مع رصد الأموال اللازمة لتمويل وتجنيد الأشخاص وتكوين الخلايا ذات الولاء لإيران ومن اتباع المراجع الشيعية الإيرانية، وتعمل لحساب المذهب الشيعي عَبْرَ العَدِيد من الوسائل منها تكوين جمعيات في ظاهرها ثقافية وفي باطنها عَقَدِيَّةٌ.
وإذا كان من الصعب زَعْمُ وجود رعاية رسمية للتَّشَيُّعِ في تونس فإن هذا لا ينفي أن هناك حُرِّيَّةً في العَمَلِ لنشر التَّشَيُّعِ داخل المجتمع التونسي. يحدث هذا بالتزامن مع ما يقوم به الشيعة العرب من أبناء العراق وسوريا ولبنان من نَشاطٍ دعوي لترويج التَّشَيُّعِ عَبْرَ النت ومن خِلالِ مواقع الاتصال الاجتماعي، وما يدون فيها من مقالات وما ينشر عَبْرَها من دروس، وما يحال عليه عَبْرَها من مواقع إيرانية تبث باللغة العربية دَعْوَتَها للتَّشَيُّعِ. وقد استقبلت بالفعل الحوزات العلمية الشيعية في سوريا وفي النجف بالعراق العَدِيد من التونسيين الذين تَشَبَّعُوا هناك بالمذهب الشيعي، بل صاروا من دُعاتِهِ.
الموقف الرسمي والشعبي من التَّمَدُّدِ الشيعي في تونس:
كان لعودة العَلاقات بين إيران وتونس إلى طبيعتها مع بداية التسعينيات، ثم حالة المناخ السياسي بعد الثورة الشعبية في تونس عام 2011، ثم ما تَقَرَّرَ في دستور الدولة الجديد من كفالة حُرِّيَّةِ المعتقد وممارسة الشعائر الدينية أثَرُه في التَّغَلْغُلِ الشيعي الإيراني في تونس، والذي بلغ مَدًى لا يمكن إنكاره.
وقد أدى هذا التَّغَلْغُلُ الشيعي المُتَنامِي إلى ردود فعل مُتَزايِدَةٍ، فقد ارْتَفَعَتْ الأصوات من كل اتجاهات الطوائف التونسية الدينية والشعبية والثقافية والاجتماعية التي تطالب بالتَّصَدِّي لهذا الغزو الشيعي الذي يتستر بالأنشطة الثقافية والخيرية حِفاظًا على الهوية العَرَبِيَّةِ الإسلامية السنية المالكية لتونس.
وقد ساهم تَطَوُّرُ العَلاقات التونسية السعودية، حيث دعمت السعودية حزب (نداء تونس) الحاكم بعد ثورة 2011، خاصة بعد تولي الرئيس التونسي (الباجي قايد السبسي) للحكم واتجاهه لإعادة الحضور السعودي إلى الساحة التونسية بتبادل زيارات المسؤولين في البلدين وتعزيز التعاون بينهما على جميع الأصعدة، خاصة أن تونس تُعَدُّ في مرحلة انتقالية وتُعانِي من مَصاعِبَ اقتصادية، إضافة إلى كون تونس حَرِيصَةً كل الحِرْصِ على عَلاقاتها المتوازنة مع دول الخليج العَرَبِيِّ عامة والمملكة العَرَبِيَّةِ السعودية خاصة، وتأكدت تلك العَلاقات بزيارة الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي للسعودية في ديسمبر 2015. وقد ساهم ذلك في الحَدِّ من الأنشطة الإيرانية في تونس نَظَرًا للعَداءِ السياسي بين إيران والسعودية والمنافسة الإقليمية بينهما في ظل محاولة إيران مَلْءِ الفَراغِ السياسي في المنطقة العَرَبِيَّةِ على أساس مذهبي يُفَجِّرُ فيها العَداواتِ.
وقد شهدت الاستثمارات السعودية المباشرة في تونس نُمُوًّا سريعًا في مُخْتَلِفِ القطاعات إلى جانب القروض الممنوحة من السعودية لتونس. وقد جاء بيان وزارة الخارجية التونسية بالتضامن مع المملكة العَرَبِيَّةِ السعودية في حادثة إحراق إيرانيين للسفارة السعودية في طهران في عام 2016 احترامًا للقانون الدولي تَقْوِيَةً لهذا الاتجاه.
وفي سياق التَّصَدِّي الشعبي للتَّغَلْغُلِ الشيعي في تونس أعلن في عام 2012 عن ميلاد (الرابطة التونسية لمناهضة المد الشيعي في تونس)، والتي طالبت الحكومة التونسية بإغلاق المركز الثقافي الإيراني الذي يُعَدُّ الذراع الثقافي والديني لإيران في تونس، ويعمل على نشر المذهب الشيعي في البلاد، وطالبت بقطع العَلاقات الدبلوماسية مع إيران بعد أن تَجاوَزَتْ الحدود بزرع بذور الفِتْنَةِ والفوضى في المجتمع التونسي بمحاولة التأثير على مُعْتَقَداتِهِ الثابتة عَبْرَ مساعيها لتصدير الثورة الإيرانية الشيعية إلى تونس، وكشفت الرابطة عن صور من الأنشطة المشبوهة التي يقوم بها المركز الثقافي الإيراني، وأنه يرصد أموالًا طائلة لتنفيذ مَخْطَطِ التَّشَيُّعِ في تونس، وتجنيد المُتَشَيِّعِينَ وتكوين خلايا شيعية نائمة ذات ولاء لإيران. وعارضت الرابطة مواقف بعض الأطراف التونسية غير المؤثرة في المشهد السياسي في البلاد.
وقد حَذَّرَ أيضًا عدد كبير من العلماء التونسيين والأئمة والدعاة من خَطَرِ التَّغَلْغُلِ الشيعي الإيراني على وَحْدَةِ تونس واسْتِقْرارِها وهَوِيَّتِها السُّنيَّة.
