شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

التمدد الشيعي في دول المغرب العربي (5) التمدد الشيعي في موريتانيا وليبيا

الشيخ علاء بكر • التزكية

ركَّزت إيران خلال فترة القطيعة مع موريتانيا في الثمانينات وحتى نهاية عام 2005، على اختراق الجالية الموريتانية في دول غرب إفريقيا، خاصة في السنغال، حيث إن للشيعة انتشارًا في السنغال منذ نهاية الستينيات عقب زيارة ناجحة للمنطقة قام بها المرجع الشيعي (موسى الصدر)، والتي تلاها إقامةُ عالمِ الشيعة اللبناني (عبد المنعم الزين) في السنغال وغرب إفريقيا.

ومن خلال العلاقات التجارية مع اللبنانيين والسوريين العاملين في التجارة في السنغال (التجار الشوام)، ومع احتكاك الشيعة اللبنانيين والسنغاليين بالتجار الموريتانيين في السنغال وغرب إفريقيا، وعبر غزوٍ فكريٍّ وعقائديٍّ منظَّم، تمكَّن الإيرانيون من استقطاب بعضهم وإقناعهم بالمذهب الشيعي، وإن كانوا قلة. لهذا، فيُعدُّ الوجود الإيراني في السنغال مدخلًا من مداخل التمدد الشيعي في موريتانيا، ومحطةً للتواجد الشيعي في غرب إفريقيا.

التمدد الشيعي في موريتانيا:

شهدت موريتانيا العديد من الأنشطة الشيعية العلنية والرسمية من شخصيات بارزة هناك، ومن ذلك:

إعلان (بكار بن بكار) اعتناقه للمذهب الشيعي الاثني عشري في عام 2006، حيث سافر إلى مدينة قم الإيرانية والتقى هناك بالمرجعيات الشيعية، واتخذ من المرجع الشيعي السيستاني مرجعًا فقهيًّا له. وبعد عودته لموريتانيا، نصَّب بكار نفسه زعيمًا للشيعة في موريتانيا، وقام بتنظيم أنشطة شيعية في العاصمة نواكشوط، مثل الاحتفال بيوم عاشوراء وبيوم الغدير، وطالب بإنشاء مراكز دينية وعلمية خاصة للشيعة تمهيدًا لإنشاء حوزة علمية لهم. وقد أسس بكار جمعيةً باسم (بكار للثقافة والعلوم) لإقامة أنشطة ثقافية وشيعية.

ومن الشخصيات الموريتانية التي تشيعت علنًا أيضًا (محمد شريف حيدرة)، وهو مستشارٌ سابق في رئاسة الجمهورية، وقد موَّل له الشيعة في موريتانيا إنشاء معهدٍ باسم (معهد الإمام علي).

إعلان (أحمد يحيى بن بلا) من مقاطعة (الركيز) عن تشيعه، وهو مثقفٌ ثقافةً شرعية ولغوية لا بأس بها، وقد زار قم برفقة بعض أقاربه، وزار منطقة البقاع اللبنانية، وهو مشهور بكتابة القصائد في مدح الشيعة.

الزيارة العلنية التي قام بها الشيعي اللبناني (محمد قانصو) لموريتانيا عام 2016، وهو نائب رئيس مؤسسة (عبد المنعم الزين) الاجتماعية في السنغال، وهي مؤسسةٌ لها نشاطٌ شيعيٌّ منذ عقود في السنغال، ولها جهودٌ تُبذَل في نشر التشيع في موريتانيا. وقد تضمنت زيارته لقاءاتٍ مع مسؤولين من بعض الأحزاب السياسية الصغيرة الموريتانية التي لها علاقة بالنظام السوري. وقد قام (قانصو) أثناء زيارته بتدشين مدرسةٍ قرآنية صغيرة باسم الزعيم الروحي لشيعة غرب إفريقيا عبد المنعم زين، مما أثار الغضب لدى الأوساط الدينية الموريتانية. (راجع في ذلك: "التغلغل الإيراني في دول المغرب العربي"، حمدي بشير - ط. مركز الخليج العربي للدراسات الإيرانية - الرياض - ط. 1439هـ، 171-173، 176-177) .

الموقف الرسمي من التمدد الشيعي في موريتانيا:

تحرص الحكومة في موريتانيا على استمرار وتقوية العلاقات مع إيران، لموقف إيران الداعم لموريتانيا وقت أن عانت من عزلةٍ دولية في أعقاب الانقلاب العسكري فيها، ومساندتها لها في ظروفها الاقتصادية الصعبة؛ لذا تغاضت الحكومة هناك عن كثيرٍ من محاولات التغلغل الشيعي الإيراني في موريتانيا، رغم كل المخاوف والتحذيرات التي أبداها البعض من خطورة هذا الأمر، خاصة بعد الكشف عن دراسةٍ ذكرتها مؤسسة ثقافية إيرانية تؤكد أن مستقبل العمل الشيعي في موريتانيا مُبشِّر، وأنه بالإمكان أن تتحول موريتانيا إلى بلدٍ شيعي، وأنه يمكن أيضًا التوسع الشيعي في بلاد المغرب العربي في المستقبل، لوجود البيئة الخصبة التي يمكن لمن يتعهدها أن تسمح بالانتشار الشيعي كمًّا ونوعًا.

وقد سمحت الحكومة في موريتانيا لبعض رموز الشيعة بالجهر بمعتقداتهم، وإقامة مؤسساتٍ خاصة، وإجراء شعائرهم علنًا.

وقد تجاهلت الحكومة الموريتانية التحذيرات المتكررة التي تلقتها من العديد من الأحزاب السياسية في موريتانيا من خطورة التغلغل الإيراني، ومنها: حزب (الصواب والكرامة والأمل)، وحزب (الحضارة والتنمية)، وحزب (الإصلاح)، وغيرها. وقد تجاهلت الحكومة أيضًا الدعوات التي أطلقها مفتي موريتانيا (بداه ولد البصير) التي دعا فيها للتصدي لمحاولات نشر المذهب الشيعي في موريتانيا، وكذلك دعوة إمام الجامع الأكبر الشيخ (أحمد ولد حبيب الرحمن) بقطع العلاقات مع إيران، ووضع حدٍّ لظاهرة التشيع في البلاد، واتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة التغلغل الشيعي داخل المجتمع الموريتاني.

الموقف الشعبي من التمدد الشيعي:

في مواجهة استهانة فريقٍ من الموريتانيين بالأنشطة الشيعية وتمددها في موريتانيا، فهناك فريقٌ أخذ خطورة الوضع مأخذ الجد، يضم هذا الفريق نخبةً من العلماء والمثقفين الذين حذَّروا من خلال الندوات والمحاضرات من خطورة التمدد الشيعي الإيراني على المجتمع الموريتاني ووحدته.

(ب) التمدد الشيعي في ليبيا :

اعترت العلاقات الإيرانية الليبية في أعقاب الثورة الخمينية في إيران نوعٌ من المجافاة والضبابية بسبب قضية اختفاء رجل الدين الشيعي (موسى الصدر) في ليبيا خلال زيارة له في أغسطس 1978 بدعوة من الحكومة الليبية، وهي القضية التي مثَّلت لفترةٍ عائقًا للتقارب بين البلدين، رغم التأييد الليبي لقيام الثورة الإيرانية ضد شاه إيران وإسقاط نظام حكمه، لكن العداء المشترك للبلدين لأمريكا دفع البلدين للتقارب، وزاد من هذا التقارب ما أقدمت عليه ليبيا خلال الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات من قطع علاقاتها مع العراق، ودعمها ومساندتها لإيران في الحرب. وقد تطورت العلاقات بين البلدين من خلال تبادل الزيارات بين المسؤولين في البلدين. وفي يونيو 1985 وقَّعت ليبيا معاهدة تحالف إستراتيجية مع إيران. وإدراكًا من الحكومة الليبية أن استمرار الحرب بين العراق وإيران سيؤدي إلى كوارث على الشعبين العراقي والإيراني، قدَّمت ليبيا مقترحاتٍ لوقف الحرب، لكن رفضتها إيران .

الصفحة السابقة الصفحة التالية