التمدد الشيعي في دول المغرب العربي (5) التمدد الشيعي في موريتانيا وليبيا
الشيخ علاء بكر • التزكية
ونظرًا للاختلافات في الرؤى بين ليبيا وإيران حول قضايا متعددة منها القومية والدينية، وعلاقة الدين بالسياسة وبالدولة، وكذلك دعوة الخميني إلى تصدير الثورة الإيرانية إلى الدول العربية والإسلامية، في مقابل مشروع العقيد القذافي المتعلق بالنظرية الثالثة والكتاب الأخضر، وبعد قيام إيران بقصف المدن العراقية في عمق العراق بالصواريخ ودعوة الحكومة الليبية إلى وقف العمليات العسكرية وإنهاء الحرب والتوصل إلى تسوية شاملة، هاجم بعدها القذافي إيران لرفضها قرارات وقف إطلاق النار في ديسمبر 1986 .
بدأ القذافي في التنسيق مع بغداد مراعاةً لتوجهه القومي العربي، مع قصر الدعم لإيران على مواقفها تجاه أمريكا، كما تبلورت بالتدريج سياسة ليبيا الخارجية تجاه الاهتمام بالشؤون الإفريقية والتشديد على الهوية الإفريقية لليبيا.
ومع تدهور العلاقات بين السعودية وليبيا، ومقاطعة ليبيا للقمة العربية التي عُقدت في الرياض، واصلت ليبيا الاحتفاظ بعلاقاتها الودية مع إيران. وفي 2006 وقَّعت ليبيا وإيران مذكرة تفاهم للتعاون الاقتصادي في مجالات عديدة تجارية واقتصادية وصناعية وفي السياحة، مع التعاون المشترك في مجالات الثقافة والإعلام والأمن .
وإجمالًا، كانت العلاقات بين إيران وليبيا وطيدة خلال حكم العقيد القذافي، وقد شهدت هذه العلاقة تغيرًا في أعقاب الثورة الشعبية في ليبيا عام 2011، والتي أسقطت نظام حكم القذافي .
التواجد الشيعي في ليبيا :
تُعدُّ أعداد الشيعة في ليبيا قليلةً، لا تتعدى بضع مئات، ينتشر أغلبهم في العاصمة طرابلس وفي بنغازي، ومعظمهم من الجالية اللبنانية التي حصلت على الجنسية الليبية. ومع قيام الثورة الشعبية بدأ هؤلاء الشيعة في ممارسة وإظهار شعائرهم الشيعية، لاسيما الاحتفال بيوم عاشوراء .
العلاقة مع الإسلام السياسي في ليبيا :
حاولت إيران الاستفادة من الثورة الشعبية في ليبيا من خلال تواجد عملاء لها داخل ليبيا، فشهدت الساحة الليبية نشاطًا استخباريًّا وسياسيًّا كبيرًا عقب الثورة، تضمَّن إرسال عناصر من الحرس الثوري لمساندة حلفاء إيران الإسلاميين في ليبيا، مثل تنظيم (أنصار الشريعة) وتنظيم (الجماعة الليبية المقاتلة). وقد أشارت التحقيقات الأمريكية إلى تورط جماعة أنصار الشريعة، وهي من أهم الجماعات المرتبطة بإيران، في أحداث تفجير السفارة الأمريكية في ليبيا وقتل السفير الأمريكي . (راجع: "التغلغل الإيراني في دول المغرب العربي" ، حمدي بشير - مركز الخليج العربي للدراسات الإيرانية - الرياض - ط. 1439هـ، 202 - 203) .
التمدد الشيعي في ليبيا :
تزايد النشاط الشيعي في ليبيا في أعقاب الثورة الشعبية، مستفيدًا من حالة الاضطراب وعدم الاستقرار التي سادت البلاد بعد سقوط القذافي. لذا، تحوَّل مئاتٌ من المواطنين الليبيين من المذهب السنِّي إلى المذهب الشيعي في ظاهرة غريبة لم تحدث من قبل، ومنهم شبابٌ ليبي سافر إلى إيران لتعلُّم المذهب الشيعي هناك.
وقد صرَّح رئيس لجنة الأوقاف الليبي للإعلام في نهاية 2012 أن بعض الدعاة الشيعة يشترون أراضي في ليبيا باسم الحوزة الشيعية لتأسيس مؤسسات ومراكز شيعية في ليبيا. ويدخل في أهداف الشيعة لتحقيق مخططهم اختراقُ الأقلية الأمازيغية في ليبيا، والتي تتبنى مذهب الإباضية، وفيهم شيعة، من باب التقرب إلى الأقليات وإثارتها وتمويلها وتسليحها، خاصة مع شعور الأمازيغ باختلافهم عن الأغلبية في الثقافة واللغة والهوية والانتماء المذهبي .
التواجد العسكري الإيراني في ليبيا :
صرَّح قائد قوات الحرس الوطني الإيراني أن أحد مكاسب التطورات الإقليمية خلال الربيع العربي هو تجنيد ما يزيد عن 200 ألف مقاتل في ميليشيات شعبية في العراق وسوريا وليبيا. كما أشار إلى استيلاء إيران على كميات من الأسلحة المتطورة في ليبيا من قبل وحدات القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني، التي سافرت إلى ليبيا من قاعدتها في السودان. ومن هذه الأسلحة صواريخ روسية متطورة بيعت إلى ليبيا عام 2004. ويعتقد الخبراء أنه قد تم تهريب هذه الصواريخ وغيرها من الأسلحة الحديثة المستولى عليها عبر الحدود الليبية خلال فترة التقارب بين إيران والسودان، حيث نُقلت إلى منشأة للتخزين السري للحرس الثوري، ساعد على ذلك التسهيلات التي قُدمت لإيران في السودان خلال فترة التقارب بين إيران والسودان، في إطار اتفاق التعاون العسكري بين البلدين وقتها، والتي وظَّفت فيها إيران وجودها في السودان للتأثير على الساحة الليبية، قبل أن تتنبه الحكومة السودانية إلى خطورة التحركات الإيرانية على الساحة السودانية، كرد فعل على الهجوم على البعثة السعودية في إيران في عام 2016، وهو ما غيَّر دفة السياسة السودانية وقتها نحو مزيد من التقارب والتنسيق مع السعودية ودول الخليج على حساب علاقتها مع إيران.
وقد أثار استيلاء الحرس الثوري الإيراني على تلك الأسلحة الليبية مخاوف الغرب من وصول هذه الأسلحة إلى جماعة الحوثيين في اليمن أو حزب الله في لبنان عبر السودان، أو أن تقع في أيدي تنظيم القاعدة أو غيرها من الجماعات المتطرفة في غرب إفريقيا ومنطقة الساحل عبر تشاد . (راجع المصدر السابق: 206 - 209) .
الموقف الليبي الرسمي من التمدد الشيعي :
رغم حالة عدم الاستقرار السياسي في ليبيا منذ الثورة الشعبية في 2011 وتعاقب الحكومات على السلطة، فإن الموقف الرسمي يكشف عن الرفض للسياسة الإيرانية في ليبيا؛ لذا طلبت حكومة (عبد الرحيم الكيب) في فبراير 2012 من السفير الإيراني مغادرة طرابلس بسبب تحركاته المشبوهة واجتماعاته بقيادات ليبية وشيوخ قبائل.
وقد صرَّح رئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح بأن هناك محاولات إيرانية لنشر التشيع في ليبيا، وهو ما أكدته هيئة علماء ليبيا في بيان لها، أن إيران تقوم بنشر التشيع بين الشباب الليبي، وطالبت الحكومة باتخاذ إجراءات لمكافحة هذه الظاهرة.
