شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تأملات في قصة التضحية (من تراث الدعوة)

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فأكتب إلى إخواني بعد رحلة الحج المباركة راجيًا من الله القبول لي ولكم ولكل المسلمين، سائلًا الله أن يقر أعينكم بلقائه، وترضى نفوسكم بقضائه، وتحمد قلوبكم وألسنتكم نعماءه؛ فإنه -عز وجل- إن حرمنا من أشياء فقد مَنَّ علينا بأضعافها، وإن كان قد ابتلانا بأمور فقد صرف عنا من السوء ما لو علمناه لاخترنا ما اختار لنا؛ فلا نيأس، ولا نحزن، ولا نكون في ضيق؛ فإن ( اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ) (النحل: 128) .

ومن آيات الله في الحج: انجذاب حجاج بيت الله الحرام لكي يؤدوا مناسكهم، متذكرين إرث أبيهم إبراهيم -عليه السلام-، متبعين لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكذلك تضحية الملايين من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، متبعين أيضًا لسنة إبراهيم -عليه السلام- ولسنة نبيهم -عليه الصلاة والسلام-.

فالحنفية السمحاء هي التي بُعث بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهي الميل إلى الله والإعراض عن سواه؛ قال الله -عز وجل-: ( وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ . إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ . إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ . أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ . فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ . فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ . فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ . فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ . فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ . مَا لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ . فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ . فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ . قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ . وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ . قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ . فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ . وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ . رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ . فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ . فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ . فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ . وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ . قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ . وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ . وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ . سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ . كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ . إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ . وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ . وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ ) (الصافات:83-113) .

وقد ذكر الله -سبحانه- نبيه إبراهيم -عليه السلام- بعد ذكر نوح -عليه السلام- فقال: ( وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ ) (الصافات:83) ، وكم بين نوح وإبراهيم -عليهما السلام- من السنين؟! ومع ذلك، ورغم تباين المكان والسنين... ذكر الله أن إبراهيم من شيعة نوح؛ أي: على دينه ومنهاجه، فالأنبياء دينهم واحد كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( الأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلاتٍ: دِينُهُمْ وَاحِدٌ، وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى ) (رواه مسلم وأحمد واللفظ له) .

وأمتنا أمة واحد؛ قال الله -تعالى-: ( إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ) (الأنبياء:92) ، وهذا أمر يظهر جليًّا في الحج؛ إذ يأتي الناس مِن كل فج عميق على اختلاف الأوطان والألوان والألسنة في لباس واحد، ونداءٍ واحد، ومكان واحد ملبين نداء ربهم!

هذه الوحدة لأمة الإسلام عبر الزمان والمكان لا بد من الشعور بها، والحض عليها بوحدة المنهج، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ) (متفق عليه) .

وهذه الوَحدة يريد أعداؤها تمزيقها؛ ليتمكنوا من الأمة، لكنها -بفضل الله- أمة لا تموت؛ ولو اجتمع عليها مَن بأقطارها؛ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ ) (رواه مسلم) ، وفي رواية: ( لا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى أَمْرِ اللهِ، قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ، لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ) (رواه مسلم) ، وفي رواية: ( حَتَّى يُقَاتِلَ آخِرُهُمُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .

الصفحة التالية