تأملات في قصة التضحية (من تراث الدعوة)
الشيخ ياسر برهامي • التزكية
يخبر -تعالى- عن إبراهيم -عليه السلام-: ( فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ . مَا لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ ) قالها مستهزئًا بها، غاضبًا من قومه الذين يعبدونها، وهم يعلمون أنها لا تنطق! ( فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ ) أسرع بتكسيرها إلا كبيرًا لهم؛ فهو يريد كسرها في قلوبهم كما يريد كسرها كأحجار، وضربها باليمين؛ لأنها أقوى في التكسير ( فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ) أي: يسرعون ( قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ . وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ ) فالله خالق كل صانع وصنعته، وهو خالق أفعال العباد خيرها وشرها، كما قال -تعالى-: ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) (القمر:49) ، فقالوا: ( ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ ) بنوا له بنيانًا ليحبسوه في النار ( فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ ) وكل كائد لدين الله فلابد أن تكون كلمته السفلى، وكلمة الله هي العليا، وكل كائد بعباد الله المؤمنين فلابد أن يكون من الأسفلين في الدنيا ( وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلا فِي ضَلالٍ ) (غافر:25) ، ويُكتب كتابه في برزخه في سجين في الأرض السفلى، ويكون يوم القيامة في دركات الجحيم.
قال -عليه السلام-: ( رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ).
لما فارق وطنه عوَّضه الله الأرض المقدسة!
ولما فارق قومه عوَّضه الله صحبة الأنبياء من ذريته.
ولما ضحى بنفسه حفظه الله، ووقاه، ونجاه من النار!
ولما عزم على التضحية بإسماعيل فداه الله بذبح عظيم، وأعطاه ولدًا آخر نبيًّا هو إسحاق -عليه السلام-!
وقد طلب إبراهيم -عليه السلام- هذا الطلب في أول خروجه كما يَظهر من الآيات، واستجاب الله له على كبر: ( الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ ) (إبراهيم:39) .
فلا يستعجل العبد إجابة الدعوة فإن الله يؤخر إجابتها ليسمع تضرعه وإلحاحه، وكل بلاء الأنبياء كان يأتي الفرج فيه في اللحظة الأخيرة، فحين ألقى إبراهيم -عليه السلام- في النار أتى الفرج في آخر ثوان وهو في الطريق ليهوي في النار، وفي ذبح ولده جاء الفرج لما تلَّه للجبين!
ولوط -عليه السلام- جاءه الفرج في صورة بلاء وهم الأضياف، وكان أشد يوم عليه -اليوم العصيب- يوم مجيء الفرج؛ فلا تستعجلوا ولا تتركوا الدعاء، فإنه يستجاب للمرء ما لم يعجل، قال الله -تعالى-: ( فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ . فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ... ) وهذا يكون فيه تعلق الوالد بولده أشد، وشعور الأب تجاهه أشد ( قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى )، فهو يخاطب ابنه: ( يَا بُنَيَّ )، فهو لم ينسَ بنوته، وهذا يستوجب مزيدًا مِن الشفقة... وممَن؟!
مِن إبراهيم -عليه السلام-؛ الذي هو من أشفق الناس بالخلق وأحلمهم، وهو الذي أجاب أباه الذي قال له: ( لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ) (مريم:46) ، بقوله: ( سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ) (مريم:47) ، وهو الذي قال في دعائه: ( فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) (إبراهيم:36) ، وهو الذي يجادل في قوم لوط الذين هم مِن أحط الأقوام، وجرائمهم من أفظع الجرائم، ومع ذلك... يريد تأخير العذاب عنهم؛ لعلهم يتوبون!
ويجادل بوجود لوط -عليه السلام- فيهم ليدفع عنهم العذاب؛ فكيف بشفقته على ولده النجيب الحليم، الذي رُزقه على كبر، وكان بِكرَه؛ فله معزة ومحبة خاصة؟!
ثم هو يرى أنه يذبحه، ووالله إنه لمنام أمره شديد، فكيف بفعله؟!
وهو يريد من ابنه أن يطيع الله من نفسه لا كرهًا، فقال: ( فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى ) ولم يقل: "ماذا أفعل؟"؛ لأنه لا بد أن يستجيب لأمر الله، ولكنه يريد أن يكون الولد معه في التسليم والطاعة، وهكذا تكون التربية، وليس التوجيه بالأوامر العسكرية والغلظة الشديدة، وكان الولد عند حسن ظن أبيه مؤمنًا مسلمًا لأمر الله، قال: ( يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ )، وإن صبره بمشيئة الله ( وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ ) (النحل:127) ، فاصبروا عباد الله وما صبركم إلا بالله، ولا تحزنوا، ولا تكونوا في ضيق ( إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ) (النحل:128) .
( فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ) استسلما لأمر الله، وذكر إبراهيم الله عند الذبح، وشهد إسماعيل شهادة الموت، يشهد أن لا إله إلا الله، يموت عليها، ووضعه على وجهه وجبينه؛ لكي لا يرى وجهه وهو يذبحه -فلم يلزمه الله بذلك-، وبدأ بالذبح... فجاء الفرج في اللحظة اللحظة الأخيرة: ( وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ . قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا )، ( إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ )، فليس هذا خاصًّا بإبراهيم، بل كل محسن كذلك يُجزى، وينجيه الله.
فأحسِنوا في عبادة ربكم ومع الخلق؛ ينجيكم الله مِن كل كرب.
