شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

التنافس الأمريكي الصيني في أمريكا اللاتينية (1-2)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

إن السياسات الخارجية لدول الحكومات في أمريكا اللاتينية تحدِّدها الحكومات الموجودة في السلطة، وبالتالي لا توجد سياسة واحدة واضحة ثابتة يمكن أن تجعل سياسة أحد دولها هي البديل المتماسك كفاعل دولي مؤثر، فدائمًا ما تحدِّد نخب تلك الدول المسار السياسي والاقتصادي والأمني الذي ستتَّخذه البلاد في فترة معينة مع أخذها في الاعتبار موارد تلك الدول الداخلية وتعاملاتها مع الشركات الكبرى التابعة للدول الكبرى التي قد تتحكَّم في توجهات بعض هذه الدول وسياساتها.

وتشير الأحداث إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية هي الفاعل الأكثر أهمية في أمريكا اللاتينية، وإن اختلفت نماذج دول المنطقة في التعامل معها، فهناك دول منها تلتزم بالمصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة على المستوى العالمي والإقليمي؛ منها: المكسيك وكولومبيا والأرجنتين وبيرو، ومنها دول تعمل على تكييف أوضاعها مع الولايات المتحدة في المحافل الدولية لتبدو في انسجام مع واشنطن، من هذا النموذج بنما وكوستاريكا وبيرو. وهناك نموذج يتبنَّى العزلة عن باقي البيئة الإقليمية بدعم من الولايات المتحدة بصورة سرية، ومن أمثلتها باراجواي، وهناك نموذج التحدِّي للولايات المتحدة الأمريكية ويمثِّله رمزيًّا كوبا وفنزويلا.

وفي الوقت نفسه، تتمتَّع دول أمريكا اللاتينية ببعض الملامح المشتركة التي يمكن أن تسمح لها أن تلعب دورًا مؤثرًا على الساحة العالمية؛ منها:

- التنوُّع الثقافي والاجتماعي؛ مما يسهم في تعزيز تبادل الثقافات والتأثير الناعم من خلال الجوانب المشتركة بينها وبين دول العالم.

- التمتُّع بالموارد الطبيعية المهمة مثل البترول والغاز والمعادن النفيسة والمنتجات الزراعية، والتي تمنحها قوة اقتصادية كبيرة وتجعلها شريكًا مهمًّا في السوق العالمية، وتعزِّز من مكانتها على الساحة الدولية.

- وجود تقدُّم ملحوظ في مجال التكنولوجيا، خاصة في مجال المعلومات والاتصالات، والتي تفتح بالتالي آفاقًا جديدة للنمو الاقتصادي.

- تمتُّع العديد من دول أمريكا اللاتينية بنمو اقتصادي ملحوظ في العقود الأخيرة، مما يجعلها وجهة جذابة للاستثمارات الأجنبية.

- السعي لتعزيز التكامل الإقليمي من خلال تأسيس عدة منظمات إقليمية، مثل اتحاد دول أمريكا الجنوبية، وسوق أمريكا المشتركة، مما يقوِّي من قوتها التفاوضية على المستوى الدولي.

- تمتُّع دول أمريكا اللاتينية بعلاقات دبلوماسية قوية مع الكثير من دول العالم، مما يقوِّي من قدرتها على التأثير في القرارات الدولية.

وفي المقابل: تتعرَّض العديد من دول أمريكا اللاتينية لبعض المعوقات والتحديات تؤثِّر سلبًا على قدراتها على التأثير في الساحة الدولية؛ منها:

- الفقر والتفاوت الاجتماعي: مما يقلِّل من الاستقرار السياسي والاقتصادي.

- التحديات البيئية؛ مثل: تغيُّر المناخ وتلوُّث المياه والهدْم غير المشروع للغابات واستنزاف الموارد الطبيعية، مما يؤثِّر على الاستدامة البيئية.

- انتشار الجريمة المنظَّمة والعنف في بعض دول المنطقة، مما يعرِّضها لتحديات أمنية خطيرة تتعلَّق بأخطار الجريمة المنظَّمة وبانتشار العنف، مما يقلِّل من الاستقرار السياسي والاقتصادي فيها.

وتعاني دول أمريكا الجنوبية منذ عهد الاستعمار الأوروبي من فقدان العوامل التي يمكن بها تعزيز التعاون فيما بينها وبناء الاقتصاد الحقيقي وتوفير الحد الأدنى من المصالح المشتركة وتحقيق التكامل المطلوب. فالتوجهات الثقافية والسياسية والاقتصادية لنخب أمريكا اللاتينية تميل نحو الجهات الموجودة خارج المنطقة (أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية) أكثر من اتجاهها نحو جيرانها، فدول أمريكا اللاتينية على الرغم من التطلُّع للوحدة فيما بينها لا يعرف بعضها بعضًا إلا في القليل، بما لا يسمح ببناء علاقات ثقة فيما بينها، إلى جانب أن التجارة البينية بين دول المنطقة لم تتجاوز 20% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي؛ بالإضافة إلى ضعف البنية التحتية للنقل والاتصالات، مما يجعل تكلفة التعاملات فيما بينها مرتفعة ومكلِّفة للغاية.

ويزيد من صعوبة الأمر النظرة السائدة لمفهوم السيادة الذي يتسبَّب في تواجد النفور من المؤسسات غير الوطنية، فالتنازل عن السيادة الوطنية لمؤسسة فوق وطنية تُعَدُّ هناك خسارة سيادية.

وقبل ذلك وبعده، فهناك افتقاد الدعم من الولايات المتحدة لعملية التكامل بين دول أمريكا اللاتينية، لكن يمكن القول بأن هناك بعض الاتجاهات الإيجابية في علاقات دول أمريكا اللاتينية فيما بينها، منها:

التقارب الثنائي والثقة المتبادلة بين الأرجنتين والبرازيل، ورغم وجود بعض التوترات والتنافسات التقليدية بين البلدين، لكنها قابلة للتفتُّت.

ومنها تزايد العلاقات بين المجتمعات الأهلية الفاعلة في أمريكا اللاتينية في المجالات غير الحكومية والرسمية في السنوات الأخيرة.

ومنها بدء بعض الشركات الكبرى في بعض دول أمريكا اللاتينية، كشيلي والبرازيل والمكسيك، في الاستثمار في دول أخرى بالمنطقة، مما يعزِّز من ترابطها الاقتصادي، خاصة في المشروعات المتعلقة بمبادرة تكامل البنية التحتية الإقليمية لأمريكا الجنوبية.

وفي المقابل: تُعَدُّ الخلافات السياسية التي شهدتها الأعوام الأخيرة بين دول المنطقة المتجاورة أيضًا من الأمور السلبية، ومنها الخلافات بين الأرجنتين وأوروجواي، وكولومبيا وفنزويلا، وشيلي وبيرو.

ويبقى بعد كل ذلك افتقار المنطقة للدولة التي تتولَّى دفع تكاليف القيادة للمنطقة، فالدولة التي يمكن أن تكون مرشَّحة للقيام بدور قيادي ومؤثِّر بشكل كبير في أمريكا اللاتينية لا بد أن تتوفَّر فيها العديد من العوامل؛ منها: أن يكون لها حجمًا اقتصاديًّا كبيرًا ومتنوِّعًا، يجعل لها القدرة على التأثير في الساحة العالمية، كما ينبغي أن تكون لديها جيش قوي قادر على حماية مصالحها في الخارج، ولها علاقات سياسية قوية تجعل لها قدرة على التأثير في القرارات الدولية، على أن تمتلك إلى جانب ذلك قاعدة تكنولوجية قوية، وثقافة غنية ومتنوِّعة تجعلها قادرة على جذب السياح والاستثمارات الأجنبية.

الصفحة السابقة الصفحة التالية