التنافس الأمريكي الصيني في أمريكا اللاتينية (1-2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وتُعَدُّ البرازيل الأقرب لتولِّي هذا الدور من خلال سياستها الخارجية في أمريكا اللاتينية، ولنشاطها الدولي الملحوظ، حيث تُعَدُّ جهة فاعلة دولية واقعية وموثوق بها، ولها أدوارها في العديد من عمليات التعاون الإقليمي والدولي.
وقد لعبت البرازيل دورًا رائدًا في التعاون الإقليمي في القضايا الأمنية بالمنطقة، ومنها دورها في تشكيل قوة حفظ السَّلِم التابعة للأمم المتحدة في هايتي وأماكن أخرى، كما شاركت البرازيل كوسيط في الأزمات السياسية في كولومبيا وفنزويلا وبوليفيا.
وتُعَدُّ البرازيل أكبر دولة في أمريكا اللاتينية والخامسة في العالم من حيث المساحة والسكان.
وتأتي المكسيك بعد البرازيل كدولة يمكن أن تعمل كمحرِّك للتكامل في المنطقة، حيث تنتمي المكسيك ثقافيًّا إلى أمريكا اللاتينية، رغم كونها جغرافيًّا تنتمي إلى قارة أمريكا الشمالية، وتُعَدُّ المكسيك ثاني أكبر اقتصاد في أمريكا اللاتينية، ولها علاقات قوية مع الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تتركَّز تجارتها بنسبة 90% مع الولايات المتحدة. هذا ولم تتمكَّن المكسيك من تطوير سياساتها طويلة الأمد في المنطقة.
ثم تأتي فنزويلا في المرتبة الثالثة، حيث أطلقت في السنوات الأخيرة أكثر المبادرات التكاملية، كما أن لها قوتها البترولية، حيث تمتلك احتياطيًّا من النفط يُعَدُّ من أكبر احتياطات النفط في العالم، إلى جانب أن لديها مشروعًا سياسيًّا ثوريًّا، أما الأرجنتين، فتُعَدُّ ثالث أكبر اقتصاد في أمريكا اللاتينية، ولديها قاعدة صناعية قوية.
كما تتمتَّع شيلي باقتصاد قوي ومستقر، ولديها مستوى عالٍ من التعليم، بينما تتمتَّع كولومبيا باقتصاد سريع النمو، إلى جانب موقعها الإستراتيجي على ساحل الكاريبي.
أما الإكوادور، فتتمتَّع بتنوُّع ثقافي غني، كما أن لديها موقعها الإستراتيجي على ساحل المحيط الهادي.
بينما تتمتَّع بيرو كذلك باقتصاد سريع النمو، ولديها كذلك احتياطات كبيرة من الموارد الطبيعية.
وإجمالًا: لو تمكَّنت دول أمريكا اللاتينية من معالجة التحديات التي تواجهها وحقَّقَت التكامل فيما بينها، فسيكون لها قطعًا دور مؤثِّر على الساحة العالمية في المستقبل.
علاقة العالم العربي بأمريكا اللاتينية:
يوجد أكثر من 20 مليونًا من مواطني أمريكا اللاتينية منحدرين من أصول عربية، حيث يتركَّز أكثر من 12 مليونًا منهم في البرازيل وحدها، أغلبهم من اللبنانيين وبعض السوريين والفلسطينيين، بينما يوجد نحو ثلاثة ملايين ونصف المليون في الأرجنتين، معظمهم أيضًا من السوريين وبعض اللبنانيين والفلسطينيين، ويوجد في شيلي نحو مليون عربي، بينما يوجد في المكسيك نحو نصف مليون عربي، معظمهم من اللبنانيين، وفي فنزويلا يوجد نحو مليون شخص من أصول سورية ولبنانية، بينما يوجد في كولومبيا نحو 250 ألفًا، بينما يتوزَّع نحو مليون آخر بين بنما وأوروجواي وهندوراس.
وقد ظهرت من بين هذه الأعداد الكبيرة قيادات مالية واقتصادية وسياسية لها شأنها في تلك الدول، انخرطت واندمجت بشكل كبير ومؤثِّر في مجتمعاتها، سواء من الجيل الأول منهم مرورًا بالجيلين الثاني والثالث بعدهم.
وبوجه عام، كانت وما زالت توجد علاقات دبلوماسية تربط بين دول العالم العربي ودول أمريكا اللاتينية من خلال التمثيل الدبلوماسي المتبادل بين عدد كبير من دول المنطقتين، مع وجود المصالح الاقتصادية التي ربطت بين تلك الدول بعضها ببعض في إطار من العلاقات الثنائية.
وقد شهدت العلاقات بين العالم العربي ودول أمريكا اللاتينية نقلة نوعية من خلال الشراكة عبر (فوق) الإقليمية التي نشأت تلبية لدعوة الرئيس البرازيلي (لولا دا سيلفا) لعقد القمة الأولى للدول العربية ودول أمريكا الجنوبية، التي استضافتها البرازيل عام 2005، وتوالت بعد ذلك عقد القمم (العربية-الأمريكية الجنوبية) بالتبادل بين المنطقتين، فكانت في الدوحة عام 2009، وفي ليما عام 2012، وفي الرياض عام 2015.
وقد أكَّد إطار التعاون المتمثِّل في القمة (العربية-الأمريكية الجنوبية) رغبة قادة الدول المشاركة في تعميق الحوار السياسي وتكثيف التجارة وتعزيز الحوار وتوسيع مجالات التعاون.
وتُعَدُّ منطقة أمريكا اللاتينية ساحة دبلوماسية لها ثقلها في دعم القضايا العربية، خاصة في المنظمات والمحافل الدولية، وفي مقدمتها: القضية الفلسطينية؛ كما تدعم أيضًا الدول العربية قضايا ومواقف دول أمريكا الجنوبية.
وقد تحسَّنت في السنوات الأخيرة نسب التجارة البينية بين الدول العربية ودول أمريكا الجنوبية، فقبل انعقاد القمة (العربية-الأمريكية الجنوبية)، كانت نسب التجارة البينية بين المنطقتين متواضعة للغاية، إذ كانت تتراوح بين 1% و3% من إجمالي الناتج المحلي، وحاليًا تحسَّن الوضع كثيرًا، إذ تشير التقديرات إلى أن نسب التجارة البينية بين المنطقتين زادت إلى نحو ما يقرب من 17%، معظمها من الاحتياجات الغذائية والمواد الخام وبعض المنتجات الصناعية، مما يشير إلى تزايد عمليات التبادل خلال العشرين عامًا الأخيرة.
وللحديث بقية -إن شاء الله-.
