شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

التنافس الأمريكي الصيني في أمريكا اللاتينية (2-2)

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

فبينما كان الإقراض الحكومي الصيني ينخفض، كان الاستثمار الصيني في أمريكا اللاتينية يتزايد باضطراد، فبعد أن كانت نسبة الاستثمارات عام 2000 نحو 0.1% فقط، فقد بلغت نحو 8.5% بحلول عام 2021. فبينما بلغت الاستثمارات الصينية 8.4 مليار دولار في الاتحاد الأوروبي وبلغت 4.7 مليار في الولايات المتحدة في عام 2022، فقد سجَّلت الاستثمارات الصينية في دول أمريكا اللاتينية ما يتراوح ما بين 7 إلى 10 مليارات دولار، أي أن الاستثمارات الصينية في دول أمريكا اللاتينية أكبر من استثماراتها في الاتحاد الأوروبي وفي الولايات المتحدة، مما يعكس أهمية تلك المنطقة بالنسبة للصين. ويشكِّل قطاع البترول والغاز ما يقرب من 30% من حجم تلك الاستثمارات الصينية في المنطقة، إلى جانب قطاع الطاقة المتجددة والمشروعات المتعلقة بالليثيوم وكذلك قطاع التعدين وقطاع البنية التحتية والسكك الحديدية.

ويرجع خفض الصين للقروض الخارجية لدول أمريكا اللاتينية وزيادة الاستثمارات الصينية الخارجية فيها لعدة أسباب، منها:

- حاجة الصين في بداية الأمر إلى أن تتغلغل لتكوين شبكة علاقات ومشروعات ضخمة لترسيخ وجودها في أمريكا اللاتينية.

- التخوُّف من إثقال دول المنطقة بالديون، ومنعًا من تعزيز ادعاءات الغرب أن الصين تقوم بإغراق الاقتصاديات الناشئة بالديون.

- التحوُّل من نمط القروض الحكومية إلى نمط التمويل الاستثماري يُعَدُّ أقل تكلفة وأكثر ربحًا.

زيادة معدلات التبادل التجاري:

حدثت طفرات على صعيد الصادرات الصينية لأمريكا اللاتينية حتى أصبحت الصين حاليًّا الشريك التجاري الثاني لأمريكا اللاتينية. ففي عام 2000، كانت الصادرات الصينية إلى أمريكا اللاتينية أقل من 2%، ومع النمو الاقتصادي السريع للصين مدعومًا بزيادة الطلب على السلع الصينية، نمت التجارة بين الصين والمنطقة بمعدل سنوي متوسط قدره 31% لتصل إلى 180 مليار دولار في عام 2010، وبحلول عام 2021، بلغ إجمالي التبادل التجاري رقمًا قياسيًّا قدره 450 مليار دولار، وظل الأمر دون تغيير كبير عام 2022. وتتمثَّل صادرات أمريكا اللاتينية إلى الصين في فول الصويا والنحاس والبترول والمواد الخام التي تحتاجها الصين في دفع التنمية الصناعية فيها، وفي المقابل، تستورد أمريكا اللاتينية من الصين منتجات صينية مصنَّعة ذات قيمة مضافة أعلى. وقد صدرت دول أمريكا اللاتينية بضائع بقيمة تقدَّر بنحو 184 مليار دولار أمريكي إلى الصين واستوردت بضائع بنحو 265 مليار دولار عام 2022. وقد قامت السلفادور بإلغاء اتفاقية التجارة الحرة مع تايوان، مما يُعَدُّ انتصارًا اقتصاديًّا وسياسيًّا للصين. كما سعت الصين إلى تعزيز وضع اليوان (عملة الصين) ضمن سلة العملات العالمية، وفي هذا الإطار، توصلت البرازيل والصين إلى الاتفاق على تسوية كافة المدفوعات التجارية بينهما باليوان الصيني.

تعزيز التعاون الأمني والدفاعي:

سعت الصين بقوة إلى تعزيز علاقاتها العسكرية مع دول أمريكا اللاتينية من خلال تقديم دورات تدريبية وبرامج لبناء القدرات العسكرية في المنطقة، وتصدير الأسلحة إليها، وفي مقدمة تلك الدول فنزويلا والأرجنتين والإكوادور. وقد أجرى كبار قادة الجيش الصيني عشرات الزيارات إلى المنطقة للقاء نظرائهم في المنطقة. وتُعَدُّ فنزويلا أكبر مشترٍ للمعدات العسكرية الصينية في أمريكا اللاتينية، خاصة عقب حظر الحكومة الأمريكية جميع مبيعات السلاح لفنزويلا ابتداءً من عام 2006. وقد صدرت الصين ما قيمته 629 مليون دولار من الأسلحة إلى فنزويلا بين عامي 2006 و2022، كما اشترت الأرجنتين وبوليفيا والإكوادور وبيرو طائرات عسكرية صينية ومركبات أرضية ورادارات دفاع جوي بملايين الدولارات من الصين. بينما سعت كوبا إلى تعزيز علاقاتها العسكرية مع الصين، حيث استضافت مسؤولين رفيعي المستوى من الجيش الصيني في عدة زيارات لمواني كوبا.

ومن المتوقَّع مستقبلًا استمرار وتنامي العلاقة بين الصين وبين دول أمريكا اللاتينية، خاصة مع تزايد سياسة تضييق الخناق وفرض القيود على الاستثمارات الصينية من جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لاسيما مع البرازيل بعد عودة (لولا دا سيلفا) للحكم، وكذلك في ظل وجود قادة من تيار يسار الوسط على رأس أنظمة سياسية في أمريكا اللاتينية، مما يدعم أن تصبح منطقة أمريكا اللاتينية المرشَّح الأول لاستقبال الاستثمارات الصينية التي كانت موجَّهة للسوقين الأمريكي والأوروبي.

ويُعَدُّ استمرار وتنامي تلك العلاقات الاقتصادية والعسكرية بين الصين ودول أمريكا اللاتينية متوقِّفًا على أمرين:

الأول: قدرة الطرفين على تطوير أسس متوازنة للعلاقات الاقتصادية بينهما، خاصة مع تعالي الأصوات داخل دول أمريكا اللاتينية التي تنادي بأن إغراق الصين للمنطقة بالبضائع الرخيصة يؤثِّر سلبًا على القاعدة الصناعية في المنطقة.

الثاني: قدرة دول أمريكا اللاتينية على تعظيم الاستفادة من التعاون الاقتصادي مع الصين والولايات المتحدة دون الدخول في المنافسة والصراع بينهما أو تأييد طرف على حساب الطرف الآخر.

التواجد الروسي في أمريكا اللاتينية:

تسعى روسيا بقوة إلى انتهاج سياسة خارجية نشطة لتوسيع نفوذها في العالم في مواجهة العزلة السياسية والاقتصادية التي تحاول الولايات المتحدة وأوروبا الغربية فرضها عليها، خاصة بعد عملياتها العسكرية في أوكرانيا. لذا، تعمل روسيا على تعزيز وجودها في أمريكا اللاتينية، وقد نجحت في ذلك نسبيًّا، فعلى الرغم من أن معظم دول أمريكا اللاتينية أدانت روسيا في حربها مع أوكرانيا، لكن معظم هذه الدول لم تتبع الولايات المتحدة والدول الغربية في فرض عقوبات اقتصادية على روسيا.

الصفحة السابقة الصفحة التالية