التنافس الأمريكي الصيني في أمريكا اللاتينية (2-2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
ولروسيا علاقاتها مع الأنظمة اليسارية في كوبا وفنزويلا ونيكاراجوا، ولها تعاون اقتصادي على نطاق واسع مع البرازيل والأرجنتين، وكلتاهما أصبحتا تعتمدان على الأسمدة الروسية اللازمة لقطاعاتهما الزراعية ذات الأهمية الاقتصادية، كما وسَّعت روسيا تدريجيًّا من علاقاتها التجارية مع دول أخرى في أمريكا اللاتينية، وتنشط الشركات الروسية في مجال الغاز والبترول وفي قطاع المعادن الحيوي. ويضع تنافس الولايات المتحدة والغرب مع الصين وروسيا في أمريكا اللاتينية دول المنطقة في موقف صعب.
وقد زادت التجارة الثنائية بين روسيا ودول أمريكا اللاتينية بنسبة 21.5% خلال الفترة من 2011 إلى 2021، مع تحقيق روسيا لفائض تجاري بلغ 3.7 مليار دولار أمريكي. ويرجع هذا التحسُّن في حجم التبادل التجاري بين الطرفين إلى زيادة التجارة بينهما في المنتجات البترولية والآلات والمنتجات الزراعية والأسمدة. وتُعَدُّ الاستثمارات الروسية المباشرة في أمريكا اللاتينية منخفضة مقارنة بالولايات المتحدة والصين. وتأتي بيرو والبرازيل والإكوادور وكولومبيا في مقدمة دول المنطقة في الاستثمارات الروسية، وتتركَّز معظم هذه الاستثمارات في قطاعات الاستخراج مثل المعادن والبترول والغاز.
ولروسيا أيضًا تعاون مع دول أمريكا اللاتينية في مجال الطاقة النووية السلمية من خلال اتفاقيات مع البرازيل وباراجواي وجمهورية الدومينيكان وكوبا وتشيلي لتعزيز ذلك التعاون؛ هذا إلى جانب استثمارات في السيارات وتكنولوجيا المعلومات والفضاء في بيرو وجامايكا وجيانا، إلى جانب التوسُّع التدريجي في الاستثمارات في مجال الصناعة الكيميائية وفي قطاع الاتصالات.
وقد مُنِيت روسيا بانتكاسة في علاقاتها السياسية في أمريكا اللاتينية في أعقاب فوز (خافيير ميلي) الليبرالي المتطرف برئاسة الأرجنتين في نوفمبر 2023، والذي أعلن عدم انضمام بلاده إلى تجمُّع (بريكس) بقيادة روسيا، وفي المقابل، يسعى إلى تعميق علاقة الأرجنتين مع الولايات المتحدة. ولكن، في المقابل، جاءت عودة الرئيس (لولا دا سيلفا) إلى الحكم في البرازيل في أكتوبر 2022، مع تولِّي حكومات يسارية الحكم والسلطة في كل من بوليفيا وكولومبيا وتشيلي وبيرو لتعزِّز من وضع روسيا السياسي في مواجهة النفوذ الأمريكي في المنطقة.
وقد سعت روسيا لتعزيز حضورها الدبلوماسي والسياسي في أمريكا اللاتينية من خلال تكثيف علاقاتها الدبلوماسية الثنائية وتبادل الزيارات رفيعة المستوى، فالحفاظ على العلاقات الودية مع دول المنطقة تُعَدُّ وسيلة روسيا الفعَّالة لاكتساب العمق الإستراتيجي المطلوب في المنطقة.
وعلى صعيد التعاون الأمني والاستخباراتي: تُعَدُّ أمريكا اللاتينية أرضًا مألوفة بالنسبة لوكالات الاستخبارات الروسية. ويوجد في المكسيك أكبر عدد من ضباط المخابرات الروسية المتمركزين خارج روسيا؛ لذا تُعَدُّ المكسيك بمنزلة نقطة عبور للمخابرات الروسية، فهناك العديد من نشطاء العملاء الروس يعملون في أوروبا باستخدام جوازات سفر من دول أمريكا اللاتينية.
وفي مجال التعاون العسكري مع دول المنطقة: فقد شهد العقدان الأخيران حضورًا روسيًّا متزايدًا تمثَّل في بيع روسيا لأنظمة صاروخية متقدِّمة مضادة للطائرات لدول في المنطقة، وأيضًا المساهمة في تقديم برامج تدريب عسكري للضباط في أمريكا اللاتينية. وقد نشرت روسيا أسطولًا من أربع سفن حربية في فنزويلا عام 2008 بقيادة طرَّاد يعمل بالطاقة النووية. ويُعَدُّ الاحتفاظ بتواجد عسكري روسي في تلك المنطقة ذا مغزى أمام التحديات الدولية والمنافسات التي تواجهها روسيا.
ومع ذلك كله، فإن المصالح الروسية في أمريكا اللاتينية تُعَدُّ مصالح سياسية في الأساس بغرض منافسة النفوذ الأمريكي، إذ لا تملك روسيا الموارد والقدرات اللازمة لكي تصبح شريكًا اقتصاديًّا رئيسيًّا أو منافسًا قويًّا في المنطقة قادرًا على منافسة الاستثمارات الأمريكية.
ومن مجالات التعاون بين روسيا وأمريكا اللاتينية مجال التبادل الطلابي، فهناك زيادة مطَّردة في أعداد طلاب أمريكا اللاتينية الذين يدرسون في روسيا من خلال المنح الروسية.
التحرُّك الأمريكي في مواجهة النفوذ الصيني:
تُعَدُّ أمريكا اللاتينية بمثابة الفناء الخلفي والامتداد الإستراتيجي للولايات المتحدة؛ لذا فإن استقرار الولايات المتحدة وأمنها يتأثَّر ويرتبط باستقرار وأمن تلك المنطقة. لذا، تبنَّت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على مدى عقود مبدأ (مونرو) الذي أعلنه الرئيس الأمريكي (جيمس مونرو) عام 1823، ويقوم على رفض أي تدخُّل أجنبي في دول الجوار في أمريكا اللاتينية، وهو المبدأ الذي تستند إليه الولايات المتحدة للتدخُّل في الشؤون الداخلية لدول أمريكا اللاتينية، رغم أنه مما يثير غضب حكومات وشعوب في تلك المنطقة.
وقد سعت إدارة الرئيس السابق (بايدن) وكذلك الرئيس الحالي (ترامب)، سواء في فترة رئاسته الأولى أو في فترته الثانية الحالية، إلى إعادة تفعيل العمل بمبدأ (مونرو) في مواجهة النفوذ الصيني المتزايد في المنطقة المناوئ للهيمنة الأمريكية عالميًّا.
من سمات سياسة إدارة بايدن تجاه أمريكا اللاتينية:
نظرًا لأن (بايدن) يمتلك خبرة واسعة بأمريكا اللاتينية؛ إذ إنه كان من الساسة الأمريكيين الذين شاركوا في المفاوضات المرتبطة بمعاهدة (قناة بنما) عام 1978، والتي منحت بنما السيادة الكاملة على القناة والأراضي المجاورة لها، كما قاد بايدن خلال تولِّيه منصب نائب الرئيس الأمريكي (أوباما) الحوار الاقتصادي للإدارة الأمريكية مع المكسيك والمناقشات الأخرى حول عدد من القضايا الأمنية، وفي مقدمتها قضية الهجرة غير المشروعة؛ لذا اتَّخذ الرئيس بايدن خلال فترة حكمه للولايات المتحدة إجراءات تنم عن توجهه السياسي، ومنها:
تبنِّي الشعارات التي قادتها الإدارات الأمريكية السابقة، مثل نشر الديمقراطية وتعزيز مبادئها ومكافحة الفساد والتعاون من أجل حل المشكلات والقضايا العالقة بصورة جماعية. هذا مع غض الطرف عن بعض الملفات العالقة، كالهجرة غير الشرعية.
