التنافس الأمريكي الصيني في أمريكا اللاتينية (2-2)
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فتُعَدُّ الصين حاليًّا ثاني أكبر شريك تجاري مع دول أمريكا اللاتينية بعد الولايات المتحدة؛ حيث نجحت الصين في توثيق علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع هذه الدول، وأصبحت مصدرًا رئيسيًّا للإقراض وتنفيذ المشروعات وللاستثمار الأجنبي المباشر في مجالات الطاقة والبنية التحتية، كما قامت أيضًا بتعزيز علاقاتها العسكرية مع عدد من دول أمريكا اللاتينية، في مقدمتها: فنزويلا.
وقد قام الرئيس الصيني السابق (زيمين) في عام 2001 بجولة تاريخية في أمريكا اللاتينية دامت 13 يومًا، أبرم خلالها العشرات من اتفاقيات التبادل السياسية والاقتصادية رفيعة المستوى مع دول المنطقة، ثم قام بعدها الرئيس الصيني (شي جين بينج) أيضًا بزيارة المنطقة مرات كثيرة منذ تولِّيه منصبه عام 2013، وقَّع خلالها العديد من الاتفاقيات الثنائية والشراكات الإستراتيجية الشاملة. وقد أثار هذا النفوذ المتزايد للصين في المنطقة مخاوف الولايات المتحدة، حيث تُعَدُّ أمريكا اللاتينية بمثابة الفناء الخلفي والامتداد الإستراتيجي للولايات المتحدة.
ويمكن تقسيم التطوُّر في العلاقات بين الصين ودول أمريكا اللاتينية إلى أربع مراحل:
الأولى: كانت فيها اعتراف معظم دول أمريكا اللاتينية بحكومة (ماو تسي تونج) الصينية في أعقاب الزيارة التي قام بها الرئيس الأمريكي (نيكسون) للصين في عام 1972.
الثانية: كانت فيها بداية الانفتاح الصيني على المنطقة في أواخر التسعينيات حتى عام 2013.
الثالثة: التي تم فيها تكثيف العلاقات الاقتصادية بين الصين ودول المنطقة بشكل إستراتيجي.
الرابعة: التي شهدت تسخير الصين لمواردها وقدراتها التصنيعية خلال أزمة جائحة كورونا لتقديم الأدوات والمعونة الطبية والوقائية لدول العالم، ومنها: دول أمريكا اللاتينية؛ مما ساهم في تعزيز صورة الصين في المنطقة.
وتتمثَّل دوافع الصين لتقوية وتعزيز علاقاتها بدول أمريكا اللاتينية في عدة أمور، منها:
تحقيق الأمن في مجال الطاقة:
فاستهلاك الصين من البترول يتضاعف، بينما إنتاجها من البترول لا يكفي، وقد ارتفع استهلاك الصين من البترول من 4.7 مليون برميل يوميًّا عام 2000 إلى 10.8 مليون برميل يوميًّا عام 2015. ومن المتوقَّع تزايد واردات الصين من البترول ليصل في عام 2040 إلى نحو 70% من الاستهلاك الصيني للبترول. وتمتلك أمريكا اللاتينية ثاني أكبر احتياطي للبترول في العالم بعد الشرق الأوسط، مما يمثِّل حافزًا للصين لتعزيز علاقاتها مع دول المنطقة. وتُعَدُّ البرازيل أكبر مصدِّر للبترول الخام في المنطقة، حيث تشكِّل صادرات البرازيل من البترول إلى الصين ما يقرب من 47% من إجمالي صادراتها لعام 2021.
الحصول على المواد الخام والمعادن:
حيث تسعى الصين إلى الحصول بانتظام على المواد الأولية والمعادن للحفاظ على تزايد نموها الاقتصادي، حيث تستهلك الصين نحو نصف الإنتاج السنوي في العالم من المعادن اللازمة للصناعة، مما يستدعي وجود سلسلة دائمة من الواردات من هذه المعادن الصناعية، وتزخر دول أمريكا اللاتينية بالكثير من المعادن الثمينة مثل النحاس والذهب والفضة والنيكل والكوبالت والحديد والنيوبيوم والألمنيوم والزنك والرصاص والقصدير والليثيوم والكروم وغيرها. ففي سلسلة (جبال الأنديز) الواقعة في قارة أمريكا الجنوبية، توجد احتياطات هائلة من النحاس تشكِّل نحو 35% من الاحتياطات العالمية.
وتُعَدُّ شيلي أكبر منتج للنحاس في العالم، بينما تُعَدُّ البرازيل أكبر منتج للنيوبيوم في العالم وثاني أكبر منتج للحديد، وهي الثالثة عالميًّا في إنتاج التنتالوم، بينما تُعَدُّ المكسيك أكبر منتج للفضة، وتُعَدُّ بوليفيا من الدول الرائدة في إنتاج القصدير.
تحجيم علاقة تايوان بدول أمريكا اللاتينية:
تسعى الصين دائمًا في علاقاتها الخارجية إلى حشد الدعم لسياسة (الصين الواحدة)، وعدم الاعتراف بتايوان كدولة مستقلة، وهو ما يظهر جليًّا من خلال التغلغل الاقتصادي والسياسي للصين في أمريكا اللاتينية. فمنذ عام 2016، قامت خمس دول من أمريكا اللاتينية بتحويل اعترافها من تايوان إلى الصين، ولم يعد لتايوان علاقات دبلوماسية مستقرة إلا مع سبع دول فقط من أمريكا اللاتينية، منها خمس من صغار الدول.
تقوية وضع الصين في منطقة (الإندوباسيفيك):
تُعَدُّ منطقة (الإندوباسيفيك) بمثابة الفناء الخلفي والامتداد الإستراتيجي للصين، وبالتالي أحد أهم ساحات الصراع بينها وبين الولايات المتحدة، كما تُعَدُّ منطقة أمريكا اللاتينية والكاريبي الامتداد الإستراتيجي للولايات المتحدة، كما أن بمنطقة أمريكا اللاتينية توجد (قناة بنما)، التي تُعَدُّ إحدى نقاط العبور الحيوية للتجارة الأمريكية والعالمية. وعلى هذا، تتنافس وتتصارع كل من الدولتين -الولايات المتحدة والصين- على مد النفوذ إلى كلتا المنطقتين والامتدادين ومواجهة نفوذ الآخر فيهما.
ومن أهم آليات الصين لتعزيز علاقاتها بأمريكا اللاتينية:
تقديم القروض الحكومية:
فللانخراط الاقتصادي في دول أمريكا اللاتينية، تبنَّت الصين تقديم القروض الحكومية لدول المنطقة، حيث احتلَّت تلك المنطقة المرتبة الثانية بعد القروض المقدَّمة من الصين للدول الآسيوية، حيث بلغت القروض للمنطقة خلال الفترة من 2008 إلى 2021 نسبة 26% من القروض الصينية الخارجية. وقد بلغت تلك القروض للمنطقة ذروتها في الفترة ما بين عامي 2007 إلى 2016، حيث بلغ متوسط الإقراض فيها أكثر من 10 مليارات سنويًّا. ومنذ 2016، بدأت تتضاءل نسبة القروض الحكومية الصينية لحساب التوسُّع في تمويل الصين لأنشطة القطاع الخاص في المنطقة.
التوسُّع في ضخ الاستثمارات الصينية:
