شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

توجيهات قرآنية في مفترق طرق (1) (من تراث الدعوة)

الشيخ ياسر برهامي • من نور الوحيين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد أَظْهَرَتْ أَزْمة الأقصى الأخيرةُ وبِناءُ اليهود لـ"كَنِيسِ الخَرَابِ" على بُعْدِ أمتارٍ مِنَ المسجد الأقصى، بَعْدَ ضَمِّ إسرائيلَ للمسجد الإبراهيمي ومسجدِ بلال بن رباح للآثار اليهودية، وعزمِهم على هَدْم مسجد سلمانَ الفارسيِّ -وربما قد فعلوه-، واحتفالِ حاخاماتِهم الصَّاخِبِ المَاجِنِ الشَّامِتِ بالمسلمين بافتتاح مَعبَد موسى بن مَيْمُون بالقاهرة، واستمرارِ حصار غزة وبِنَاءِ الجِدَار الفُولاذي -لتعميق الحصار وإكمال الخَنْق-؛ أظهر كُلُّ ذلك -وغَيْرُهُ كَثِير- مدى عَجْز الأمَّة وتَفَرُّقِها واستضعافِها، وفـَقـَدَ صَانِعُو القرار فيها قـُدرتَهم على مُجرَّد اتخاذ مَوقِف يُعبِّر عن هُوُيَّة الأمَّة، بل فـَقـَدُوا إرادتَهم في تغيير الواقع الأليم أو الأخذِ بالأسباب التي تـُخرِج الأمَّةَ مِنَ النَّفـَق المُظـْلِم الذي يُراد لها أن تَسِيرَ فيه.

وأصبح صَبْغُ المجتمعات بمَبادئ النظام العالمي الجديد -القديم في حقيقته-، أمْرًا واقعًا يُفرَض على الأمَّة، بل على عُلمائها ودُعاتها، فمَن قـَبـِل أن يَسِيرَ في الرَّكْب ويَدُورَ في الفـَلَك ويُرَدِّدَ ما يَهْدِمُ وَلاءَ المسلمين لدينهم وتَمَسُّكَهم بشَريعتهم وأخلاقِهم؛ فهو المُقـَدَّمُ المَفـْتُوحُ له الأبواب! ومَن أَبَى؛ فـَلَهُ الطـَّرْدُ والإبعادُ والإيقافُ والمَنـْعُ! فلن تَعود -عند القوم- عَجَلةُ التاريخ إلى الوَرَاء! ولن يَسمحوا -لو كان الأمر لهم- بمَن يَرجِع إلى التَّخَلُّف! الذي هو عندَهم صُورةُ المُجتمَع المسلم إبَّان الحياة الإسلامية؛ وذلك فيما يَتعلق بقضايا الوَلاء والبَرَاء -خُصُوصًا- ومَوْقِفِ الأمَّة مِن أعدائها المُحتلِّينَ لبلادها المُسيطِرينَ على اقتصادِها وسياستِها ونُظـُمِ تَعليمِها وإعلامِها وقوانينِها، وكذا قَضيةِ الشَّرِيعة والتزامِها، وقَضيةِ وَضْعِ المَرْأة في المُجتمَع، وما يَتعلق بمُقرَّرات مؤتمراتهم الرَّامِيةِ إلى تخريب ما تَبقـَّى من عِفـَّة أو طهارة، وقَضيةِ المَرجعية في مَصَادر التشريع، وقَضيةِ المَوقِفِ مِنَ المِلَلِ الأخرى، وغَيرِ ذلك مِمَّا يُمَيِّزُ الحضارةَ الإسلاميةَ عن الغرب وأذنابِه مَنَ المنافقين.

ويَقف العلماء والدعاة حيارى أمامَ أسئلة الشباب: ماذا نصنع؟ وماذا نُقدِّم لديننا وأمتنا؟! وهم يَرَوْنَ الآلامَ والمِحَنَ تتضاعف، ويعلمون أنهم لا يملكون إلا أنفسَهم وإخوانَهم الذين لا يملكون شيئًا ماديًّا يَصنعونه! والأمَّةُ في مُفـْتَرَقِ طـُرُقٍ، بل حَافـَّةٍ هَاوِيَةٍ وفـَوْضًى وخَطـَرِ تَقسيمٍ بَعْدَ التَّقسيمِ والتَّقطيعِ وفِتَنٍ ومَلاحِمَ -نسأل الله أن يُسَلِّمَنا مِنها-، ونحن على يقين مِن أن نتيجةَ الصراع محسومةٌ لصالح الإسلام وأهلِه المتمسِّكين به؛ طالَ الزَّمَنُ أو قـَصُر، ومَهْمَا حاولَ الأعداءُ؛ وهم يُحاولون بمَكر الليل والنهار بلا تَوَقـُّف أن يُطفئوا نُورَ الله بأفواههم: ( يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ . هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ) (التوبة:32، 33).

واللهُ يُدَاوِلُ هذه الأيامَ بين الناس؛ لِيَستخرجَ مِنَ المؤمنين ما يُحِبُّ؛ مِن عِبادة الاستعانةِ والصبرِ، ولِيَعلمَ الذين آمنوا وَسْطَ أمواجِ الكفر والنـِّفاق عِلْمًا يُحاسِبُهم عليه، ولِيَمتحنَ منهم الشهداءَ، ويُمحِّصَ الذين آمنوا، ويَمحقَ الكافرين -بعَدْله وحِكمته- على عُدْوَانهم وظلمِهم وبَغـْيِهِم.

في آياتٍ مِن سورة يونس تأتي جُمْلَةٌ مِنَ التوجيهات القرآنية للأمَّة مِن خلال قصة موسى -عليه السلام- في مَرحلة مُشابهةٍ لِمَا فيه أمَّتُنا مِنَ البَلاء والمِحْنة؛ تَحْمِلُ الجوابَ عن السؤال المُحَيِّر: ماذا نصنع؟!

قال الله -تعالى-: ( وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ . فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ . وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ . وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ . وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ . قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ) (يونس:84-89).

إ نَّ موازينَ القـُوَى ليست بأيدي البشر ؛ فإنَّ الله -تعالى- هو القـَوِيُّ العَزيز، وفي لحظةٍ تتبدل الأحوالُ؛ فيَمُوتُ هذا ويَمرَضُ هذا، ويُعَزُّ هذا ويُذَلُّ هذا، ويُقـَوَّى هذا ويُضَعَّفُ هذا، ويُسْعَدُ هذا ويُشْقـَى هذا، وكُلُّ ذلك بأوامرَ إِلَهِيَّةٍ: ( كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ) (الرحمن:29) ؛ فيَغفِرُ ذنبًا، ويُفـَرِّجُ كربًا، ويَنْصُرُ مَظلومًا، ويَكْسِرُ جَبَّارًا، ويُؤْتِي المُلْكَ مَن يَشاء، ويَنزِعُهُ مِمَّن يَشاء، ويَجْمَعُ قلوبَ قـَوْمٍ يُؤَلِّف بينهم بَعْدَ عَداوتِهم، ويُفـَرِّقُ جُمُوعًا بَعْدَ اتفاق كَلِمَتِهِم.

الصفحة التالية