شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الوصايا النبوية (30) (الوصية بكتمان النعم) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فعن عروة بن الزبير عن أبي هريرة -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( اسْتَعِينُوا عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِكُمْ بِالْكِتْمَانِ فَإِنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ )، وفي الرواية الأخرى: ( اسْتَعِينُوا عَلَى إِنْجَاحِ الْحَوَائِجِ بِالْكِتْمَانِ فَإِنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ ) (رواه الطبراني في الكبير والأوسط والصغير، وصححه الألباني) .

مجمل الوصية:

( اسْتَعِينُوا عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِكُمْ بِالْكِتْمَانِ ) أي: كونوا لها كَاتِمِينَ عن الناس، واسْتَعِينُوا بالله على الظَّفَرِ بها، ثم عَلَّلَ طلب الكتمان لها بقوله: ( فَإِنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ ) يعني: إِنْ أَظْهَرْتُمْ حَوَائِجَكُمْ لِلنَّاسِ حَسَدُوكُمْ فَعَارَضُوكُمْ فِي مَرَامِيكُمْ. (الإشارة إلى ظاهرة نشر تفاصيل وأسرار البيوت وما فيها من النعم على وسائل التواصل؛ مما أَدَّى إلى إصابة كثير من أصحابها بالمصائب نتيجة حسد المشاهدين لها) (1) .

في كتمان النعم نجاة من الحسد:

- في كتمان النعم نجاة من كَيْدِ الأشرار وَحَسَدِهِمْ: قال الله -تعالى- فِي نصيحة يعقوب لولده يوسف -عليهما السلام- بكتمان نعمة الرؤيا التي رآها عن إخوته خشية الحسد: ( قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) (يوسف: 5) .

- حسد الغير على النعم كان أول ذنب وقع فِي السماء وفي الأرض: قال -تعالى- عن حسد إبليس لآدم: ( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا ) (الإسراء: 61-62) .

- وقال -تعالى- عن حسد أحد ابني آدم لأخيه على نعمة الهدايا والقبول: ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ) (المائدة: 27) .

- في كتمان النعم نجاة من الوقوع فِي إيذاء نُفُوسِ المَحْرُومِينَ منها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَيْسَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَشْبَعُ وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ ) (رواه الطبراني والحاكم، وصححه الألباني) .

- فَعَلَى المسلم أَنْ يَسْتَعِينَ عَلَى قَضَاءِ حَوَائِجِهِ بِالْكِتْمَانِ، وَلاَ يُفْشِي نِعْمَتَهُ لِكُلِّ أَحَدٍ؛ لأنه ربما يكون ذلك سَبَبًا مِنْ أَسْبَابِ حَسَدِهِ وَفَشَلِهِ وَسُوءِ عَاقِبَتِهِ؛ قالوا: "أَحْزَمُ الناس مَنْ لاَ يُفْشِي سِرَّهُ إِلَى صَدِيقِهِ؛ مَخَافَةَ أَنْ يَقَعَ بَيْنَهُمَا شَرٌّ فَيُفْشِيَهُ عَلَيْهِ".

ما المقصود بالتحديث بالنعمة؟

لاَ تَعَارُضَ بين قوله -تعالى-: ( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) (الضحى: 11) ووصية النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( اسْتَعِينُوا عَلَى إِنْجَاحِ الْحَوَائِجِ بِالْكِتْمَانِ فَإِنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ ).

وقد وَفَّقَ العلماء بينهما من وجوه كثيرة:

- الكتمان يكون قبل حُصُولِ الحاجة، فإذا حَصَلَتْ، وَأَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ بِبُلُوغِ مَا يُرِيدُ، فإنه يَتَحَدَّثُ بِالنِّعْمَةِ وَيَشْكُرُ اللهَ عَلَيْهَا، مَا لَمْ يَخْشَ مِنْ حَاسِدٍ (2) .

- التحديث بالنعمة هو القيام بِشُكْرِهَا، وإظهار آثارها، فإذا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ بِالْمَالِ شَكَرَ اللهَ -تعالى- على هذه النعمة، وَأَكْثَرَ مِنَ التَّصَدُّقِ وَالْكَرَمِ وَالْجُودِ، حتى يَقْصِدَهُ الفقراء والمحتاجون (3) .

- التحديث بالنعم لاَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ التفصيل، بل قد يكون إجمالاً، بأن يقول: إنَّ اللهَ أَنْعَمَ عَلَيَّ بِالصِّحَّةِ وَالْغِنَى وَالهِدَايَةِ، ولا يُفَصِّلُ في ذكر هذه النعم؛ قال السعدي -رحمه الله-: "( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ): وَهَذَا يَشْمَلُ النِّعَمَ الدِّينِيَّةَ وَالدُّنْيَوِيَّةَ؛ أَيْ: أَثْنِ عَلَى اللهِ بِهَا، وَخُصَّهَا بِالذِّكْرِ، إِنْ كَانَ هُنَاكَ مَصْلَحَةٌ، وَإِلَّا فَحَدِّثْ بِنِعَمِ اللهِ عَلَى الإطلاق، فإنَّ التحدث بنعمة الله دَاعٍ لِشُكْرِهَا، وَمُوجِبٌ لِتَحْبِيبِ القلوب إلى مَنْ أُنْعِمَ بِهَا؛ فإنَّ القلوب مَجْبُولَةٌ عَلَى مَحَبَّةِ المُحْسِنِ".

- التحديث لا يكون إلا للمُحِبِّ الصَّادِقِ فِي حُبِّهِ، فعن أبي قتادة -رضي الله عنه- قال: كنت أرى الرؤيا تُمْرِضُنِي، حتى سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللهِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ ‌فَلَا ‌يُحَدِّثُ ‌بِهَا ‌إِلَّا ‌مَنْ ‌يُحِبُّ... ) (متفق عليه) .

من أسباب الوقاية من حسد الحاسدين لنعمتك:

1- كتمان النعم وإخفاؤها عَمَّنْ يُعْرَفُونَ بِالْحَسَدِ أو العين: (وصية الباب). وقال -تعالى-: ( وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ) (يوسف: 67) .

2- التَّعَوُّذُ بِاللهِ وَاللُّجُوءُ إِلَيْهِ، وَالتَّحَصُّنُ بِهِ، وَمَا تَعَوَّذَ المسلم بأفضل من المعوذتين: ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ) (الفلق: 1) ، ( وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ) (الناس: 1) .

الصفحة التالية