الوصايا النبوية (30) (الوصية بكتمان النعم) (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
3- تَقْوَى اللهِ وَحِفْظُهُ عِنْدَ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، فَمَنِ اتَّقَى اللهَ تَوَلَّى اللهُ حِفْظَهُ، وَلَمْ يَكِلْهُ إِلَى غَيْرِهِ: قال -تعالى-: ( وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ) (آل عمران: 120) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .
4- إطفاء شَرِّ الحاسد بِالإِحْسَانِ إِلَيْهِ: قال -تعالى-: ( وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) (فصلت: 34) .
5- وَهُوَ الْجَامِعُ لِذَلِكَ كُلِّهِ، وَعَلَيْهِ مَدَارُ هَذِهِ الأَسْبَابِ هُوَ: تَجْرِيدُ التوحيد، وَالتَّرَحُّلُ بِالْفِكْرِ فِي الأَسْبَابِ إِلَى المُسَبِّبِ اللهِ العزيز الحكيم، وَالْعِلْمُ أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ بِيَدِ اللهِ يُحَرِّكُهُ كَيْفَ شَاءَ، وَلاَ يَنْفَعُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، قال -تعالى-: ( وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ) (الأنعام: 17) . وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الإشارة إلى أنَّ النعم تَنْقَسِمُ إِلَى نَوْعَيْنِ: مَعْنَوِيَّةٍ وَحِسِّيَّةٍ؛ فالمعنوية: كَفَضْلِ القرآن أو نَيْلِ مَكَانَةٍ مَرْمُوقَةٍ، وَالْحِسِّيَّةُ: كَالْمَالِ وَالْوَلَدِ الصَّالِحِ وَنَحْوِهِ.
(2) قال المناوي -رحمه الله-: "موضع الخبر الوارد في التحدث بالنعمة: ما بعد وقوعها، وأَمْنِ الحسد" (فيض القدير) . وقال ابن كثير -رحمه الله-: "قوله -تعالى-: ( قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ... )، يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا، الأَمْرُ بِكَتْمَانِ النِّعْمَةِ حَتَّى تُوجَدَ وَتَظْهَرَ، كَمَا وَرَدَ فِي حديث: ( اسْتَعِينُوا... )" (تفسير ابن كثير) . مثال: عندك خطة للسفر أو دراسة أو للتجارة، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- علَّمنا ألا ننشر الأمر قبل أن يكون؛ فإنَّ هذا يؤدي إلى العديد من السلبيات:
- الحسد: وهذا هو المقصد الأصلي من الحديث، فبعض الناس وخاصة الأقران المتماثلين في مهنة أو في سنٍّ واحد دائمًا ما يكون بينهم الحسد، فيقول: هذا فلان عقله كذا وكذا، هذا فلان في نفس سني ويملك كذا وعنده كذا، وحاصل على شهادات كذا، وأنا كما أنا لم أتحرك! ثم يسخط على الله وعلى قَدَر الله، وينقم عليك بالحسد ولا حول ولا قوة إلا بالله.
- التثبيط: بعض الناس عندهم النظرة السوداوية للأمور فما إن تعرض عليه شيئًا إلا ويفشله لك قبل أن يكون، فيذكر لك ألف مصيبة في هذا الأمر الذي تريده، سيحدث كذا وسيحدث كذا والسوق فيه كساد وفيه خسارة ولا تلقي بأموالك، وهذه النصائح إذا خرجت من خبير بالسوق وناصح أمين فهي مقبولة فالمستشار مؤتمن، وأنا إذا أردت أن أستشير أستشير أهل الثقة، أهل الخبرة وهناك شركات ومكاتب متخصصة الآن في عمل دراسة جدوى للمشاريع.
- الكيد والمكر: بعض الناس تَلْمَعُ لَهُ الفكرة التي سمعها منك فَتَرُوقُ لَهُ فَيَسْرِقُهَا مِنْكَ، ثم يَسْبِقُكَ بِهَا.
(3) قال القاسمي -رحمه الله-: "قال الإمام -يعني: الشيخ محمد عبده رحمه الله-: من عادة البخلاء أن يكتموا مالهم، لتقوم لهم الحجة في قبض أيديهم عن البذل، فلا تجدهم إلا شاكين من القل، أما الكرماء فلا يزالون يظهرون بالبذل ما آتاهم الله من فضله، ويجهرون بالحمد لما أفاض عليهم من رزقه؛ فلهذا صح أن يجعل التحديث بالنعمة كناية عن البذل وإطعام الفقراء وإعانة المحتاجين، فهذا هو قوله: ( وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ) أي: إنك لما عرفت بنفسك ما يكون فيه الفقير، فأوسع في البذل على الفقراء، وليس القصد هو مجرد ذكر الثروة، فإن هذا من الفخفخة التي يتنزه عنها النبي -صلى الله عليه وسلم-. ولم يعرف عنه في امتثال هذا الأمر أنه كان يذكر ما عنده من نقود وعروض، ولكن الذي عرف عنه أنه كان ينفق ما عنده ويبيت طاويًا" (محاسن التأويل) .
