شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الوصايا النبوية (31) (الوصية بالاستقامة) (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فعن سفيان بن عبد الله الثقفي -رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال: ( قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ ) (رواه مسلم) .

مجمل الوصية:

جاءت هذه الوصية لما سأل الصحابي سفيان بن عبد الله الثقفي -رضي الله عنه- النبي -صلى الله عليه وسلم- عن عمل ينجيه ويكفيه، وأن يكون بقول جامع وشامل لأمر الإسلام، ويكون سببًا في نجاته من النار يوم القيامة، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ )، أي: قل وأنت موقن بقلبك: آمنت بالله، ثم داوم على هذا الإيمان وأنت مستقيم على هديه ومقتضاه.

المقصود بالاستقامة:

- بداية؛ هذه وصية من روح الكتاب العزيز: قال الله -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) (فصلت: 30) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ . أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (الأحقاف: 13-14) .

- والاستقامة واجبة على كل مسلم إلى آخر لحظات عمره (1) : قال -تعالى-: ( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) (هود: 112) .

- ولقد بيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- ذلك بمثال توضيحي: فعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: خط رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطًّا بيده ثم قال: ( هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ مُسْتَقِيمًا )، وخط خطوطًا عن يمينه وشماله، ثم قال: ( هَذِهِ السُّبُلُ لَيْسَ مِنْهَا سَبِيلٌ إِلَّا عَلَيْهِ شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ )، ثم قرأ: ( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ) (الأنعام: 153) (رواه أحمد بسند صحيح) .

- لذا تنوعت أقوال السلف في وصف الاستقامة: قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "الاستقامة أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ روغان الثعلب".

- وقال ابن رجب -رحمه الله-: "والاستقامة هي سلوك الصراط المستقيم، وهي الدين القيم من غير تعريج عنه يمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها، الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها كذلك" (جامع العلوم والحكم) .

تنبيه مهم: لا يلزم من الأمر بالاستقامة عدم الوقوع في المعاصي، وإلا ففي قوله -عز وجل-: ( فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ ) (فصلت: 6) ، إشارة إلى أنه لا بد من تقصير في الاستقامة المأمور بها، فيجبر ذلك بالاستغفار المقتضي للتوبة والرجوع إلى الاستقامة، وهو كقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ -رضي الله عنه-: ( اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

من نماذج الاستقامة:

- عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- على الاستقامة حتى الأنفاس الأخيرة: روى البخاري عن المسور بن مخرمة -رضي الله عنه- قال: "لَمَّا طُعِنَ عُمَرُ جَعَلَ يَأْلَمُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، ‌وَكَأَنَّهُ ‌يُجَزِّعُهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَئِنْ كَانَ ذَاكَ، لَقَدْ صَحِبْتَ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُ، ثُمَّ فَارَقْتَهُ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، ثُمَّ صَحِبْتَ أَبَا بَكْرٍ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُ، ثُمَّ فَارَقْتَهُ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، ثُمَّ صَحِبْتَ صَحَبَتَهُمْ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُمْ، وَلَئِنْ فَارَقْتَهُمْ لَتُفَارِقَنَّهُمْ وَهُمْ عَنْكَ رَاضُونَ، قَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ صُحْبَةِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَرِضَاهُ، فَإِنَّمَا ذَاكَ مَنٌّ مِنَ اللهِ -تَعَالَى- مَنَّ بِهِ عَلَيَّ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ صُحْبَةِ أَبِي بَكْرٍ وَرِضَاهُ، فَإِنَّمَا ذَاكَ مَنٌّ مِنَ اللهِ -جَلَّ ذِكْرُهُ- مَنَّ بِهِ عَلَيَّ، وَأَمَّا مَا تَرَى مِنْ جَزَعِي، فَهُوَ مِنْ أَجْلِكَ وَأَجْلِ أَصْحَابِكَ، وَاللهِ لَوْ أَنَّ لِي طِلَاعَ الْأَرْضِ ذَهَبًا، لَافْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ عَذَابِ اللهِ -عز وجل- قَبْلَ أَنْ أَرَاهُ".

وفي رواية أخرى أن عمر قال لابن عباس: "أَتَشْهَدُ لِي يَا عَبْدَ اللَّهِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، ‌أَلْصِقْ ‌خَدِّي ‌بِالْأَرْضِ ‌يَا ‌عَبْدَ ‌اللَّهِ ابْنَ عُمَرَ فَوَضَعْتُهُ مِنْ فَخِذِي عَلَى سَاقِي. فَقَالَ: أَلْصِقْ خَدِّي بِالْأَرْضِ، فَتَرَكَ لِحْيَتَهُ وَخَدَّهُ حَتَّى وَقَعَ بِالْأَرْضِ، فَقَالَ: وَيْلَكَ وَوَيْلَ أُمِّكَ يَا عُمَرُ إِنْ لَمْ يَغْفِرِ اللَّهُ لَكَ. ثُمَّ قُبِضَ رحمه الله" (رواه الطبراني في المعجم الأوسط) .

وقفة:

كلنا نرجو الكرامة، ونغفل عن الاستقامة: قال ابن تيمية -رحمه الله-: "أعظم الكرامة لزوم الاستقامة".

من ثمرات الاستقامة عند الخاتمة:

- لقد جعل الله -عز وجل- لمن آمنوا بدينه حقًّا، واستقاموا عليه صدقًا، فضائل عظيمة ومنازل رفيعة، جاء، ذكر بعضها في قوله -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ) (فصلت: 30) ، وذلك عند خروج الإنسان من الدنيا مقبلًا على الآخرة، ومنها:

- تتنزل عليهم الملائكة بالبشرى من عند الله -سبحانه- بالسرور والحبور في المواطن العصيبة: قال وكيع -رحمه الله-: "البشرى في ثلاثة مواطن: عند الموت، وفي القبر، وعند البعث" (فتح القدير للشوكاني -رحمه الله-) .

الصفحة التالية