كيف اخترقت إيران جماعة الحوثي في اليمن؟ (3) الحوثيون بعد الثورة الشعبية في اليمن
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد شارك أتباع الحوثي في الثورة الشعبية التي شهدتها اليمن في فبراير 2011م لإسقاط نظام حكم الرئيس اليمني (علي عبد الله صالح). وقد انطلقت أول مظاهرة للحوثيين مساندة للمسيرات الشعبية في اليمن من مديرية (ضَحْيَان) بمحافظة صَعْدَة، معقل الحوثيين، في 21 فبراير. وشارك الحوثيون في ساحات الاعتصام في العاصمة صنعاء وغيرها من المحافظات، وكوَّنوا لهم تكتلًا كغيرهم من القوى الثورية باسم (شباب الصمود).
شهدت اليمن أزمة سياسية بين جموع القوى الشعبية الثورية التي تطالب بإسقاط النظام وبين قوى شعبية وإقليمية ودولية مساندة لعلي صالح. ومالت معظم القوى الثورية إلى القبول بمسار سياسي للخروج من الأزمة؛ لذا قبلت أغلب مكونات الثورة المبادرة الخليجية للتوافق السياسي، بينما رفضها الحوثيون وعدُّوها التفافًا على الثورة، وفتحًا لباب التدخل الخارجي.
وفي الوقت الذي نجحت فيه الثورات العربية في تونس ومصر وليبيا، والتي عُرِفت باسم: (الربيع العربي)، في إسقاط الأنظمة السياسية في تونس ومصر وليبيا، كان الوضع مختلفًا في اليمن، حيث أخذ الأمر في اليمن نصيبًا من الخيار العسكري بعد انقسام الجيش اليمني بين موالين للنظام السابق وبين أنصار للثورة الشعبية. وخاض الطرفان مواجهات داخل العاصمة صنعاء وضواحيها، وانتهت الأزمة بتوافق سياسي بين الأطراف الرئيسية المؤيدة للثورة والموالية للنظام السابق عبر التوقيع على المبادرة الخليجية، التي نصَّت على تخلي الرئيس السابق علي صالح عن الحكم واقتسام السلطة، ولكن كانت هناك أطراف أخرى محسوبة على الثورة الشعبية ترفض هذا التوافق السياسي، وشكلت تحالفًا رافضًا للمبادرة الخليجية، وفي مقدمة هذا التحالف حركة الحوثي إضافة إلى قوى يسارية وليبرالية وعلمانية.
ومع كون المذهب الزيدي يوفر مناخًا للانتشار والتغلغل الحوثي، لكنه في الوقت نفسه لم يقف عائقًا أمام وجود معارضين للنفوذ والفكر الحوثي في المناطق الزيدية. فالقبائل التي وقفت في وجه الحوثيين في المحافظات الشمالية هي في مجملها زيدية، لكنها ساهمت مع أطراف أخرى في تصعيد المعارضة ضد الحوثيين، وهو ما يَدُل على بطلان ادعاء الحوثيين بأنهم هم فقط الذين يُمَثِّلون المذهب الزيدي.
كانت المبادرة الخليجية تعزيزًا للقوى التقليدية في اليمن، متمثلة في الأحزاب السياسية وفي قوة الجناح القبلي وفي قوة الجناح العسكري، وهي أبرز القوى المؤيدة للثورة والحامية لها، وهي قوى لها علاقات سياسية مع المحيط الإقليمي الخليجي، ولها مواقف سلبية رافضة لحركة الحوثي المسلحة. وقد رفض الحوثيون إجراء الانتخابات الرئاسية المبكرة في فبراير 2012، وسعوا إلى إفشالها، ولم يعترفوا بانتخاب الرئيس الجديد (عبد ربه منصور هادي). وقد عمد الحوثيون إلى القيام بمظاهرات ثورية خاصة بهم، متهمين القوى الثورية المنخرطة في مسار العملية السياسية المبنية على مبادرة الخليج بالعمالة والخيانة.
أحزاب جديدة مساندة للحوثيين:
مما جَدَّ بعد الثورة الشعبية في اليمن ظهور أحزاب جديدة في الحياة السياسية، منها ما هو مساند لحركة الحوثيين. من هذه الأحزاب (حزب الأمة)، الذي تم الإعلان عنه في يناير 2012، وهناك شبه إجماع بين المراقبين والمحللين السياسيين أن هذا الحزب واجهة سياسية جديدة للحركة الحوثية. وهناك (الحزب الديمقراطي اليمني)، الذي تم الإعلان عنه في مايو 2010، ويَظْهَر من مواقفه أنه جزء من التحالف الإيراني في اليمن (المصدر السابق، ص 208، 209).
تبني الحوثيين للغموض السياسي بعد الثورة:
خلال تلك الفترة، شعر الحوثيون بخيبة أملهم في تحقيق مكاسب فئوية وتوسيع انتشارهم من خلال حالة الفوضى في البلاد؛ لذا رفضوا المشاركة في التكتلات السياسية وفي الحوارات التي ظهرت، كالمجلس الانتقالي والمجلس الوطني، كما رفضوا إعلان (مجلس شباب الثورة) في 16 يوليو 2011 بتشكيل مجلس انتقالي رئاسي لإدارة البلاد عقب قرار إسقاط نظام حكم علي صالح، وعليه تكوَّن المجلس الانتقالي الرئاسي من 17 شخصية بارزة من الحراك اليمني الجنوبي والمعارضة في الخارج والأحزاب السياسية والمنشقين عن الحزب الحاكم، وبدون أي قيادات حوثية، وهو ما دفع الحوثيين لرفض هذا المجلس. وتكرر ذلك مع إنشاء (المجلس الوطني) في أغسطس 2011، بوصفه تحالفًا سياسيًا جديدًا يضم الأحزاب والقوى السياسية والاجتماعية، وممثلاً لقوى الثورة الشعبية؛ أي: أن الحوثيين جعلوا أنفسهم طرفًا مستقلًا في مقابل القوى الثورية الأخرى، فصار الحوثيون يُمَثِّلون مع القوى الانفصالية في الجنوب جبهة معارضة للمبادرة الخليجية التي توافقت عليها غالبية قوى الثورة الشعبية كتسوية تُعَد مخرجًا في ظل الانقسام السياسي في البلاد. وهي المبادرة التي بمقتضاها يتم تشكيل حكومة وحدة وطنية تبسط سيطرتها على كل اليمن، بينما تطلع الحوثيون، المسنودون بالمال والسلاح، إلى بسط سيطرتهم على محافظات شمال اليمن.
وقد أبقى الحوثيون وقتها موقفهم غامضًا من مؤتمر الحوار الوطني الذي نصَّت عليه المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، فتخلَّفوا عنه لشهور رغم الدعوات المتكررة لهم بالحضور، والإغراءات المقدمة لهم بغرض المشاركة، فهم يعلنون الموافقة على الحوار الوطني كمبدأ، ويرفضون المشاركة فيه بدعوى أن البلاد تعيش تحت الوصاية الأجنبية، ثم عاد الحوثيون بوضع شروطهم للمشاركة في الحوار الوطني، تضمنت بعض المكاسب السياسية والدعائية لهم ولطموحاتهم في صورة مطالب عامة تُعَبِّر عن اليمنيين والثوار والقوى الوطنية، منها: تقديم اعتذار رسمي عن الحروب الستة من الحكومة السابقة ضد الحوثيين، واعتبارها خطأ تاريخيًّا، واعتبار ضحاياها من الحوثيين من الشهداء، وهو ما أثار ردود فعل غاضبة. وقد استمر الأمر بين جذب ورد وتجاوب وتراجع من الحوثيين لتهيئة المناخ المناسب للحوار الوطني لكي يصل إلى حلول مثمرة.
