كيف اخترقت إيران جماعة الحوثي في اليمن؟ (3) الحوثيون بعد الثورة الشعبية في اليمن
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
ويمكن القول: إن حركة الحوثي سعت في تلك الفترة إلى تحقيق مكاسب دون أي التزامات، فهي ترفض المبادرة الخليجية، ولا تعترف بأي استحقاقات تفرضها الانتخابات الرئاسية وحكومة الوفاق الوطني، بينما (حزب الحق)، الجناح السياسي للحوثي، كان من بين الموقعين على المبادرة في الرياض، وحصل على مقعد وزاري في حكومة الوفاق. أي: أن هناك للحوثي شريكًا في صنع القرار السياسي دون أي تبعات أو التزام بتنفيذ أي قرارات للحكومة. وفي الوقت الذي تُعْلِن فيه الحركة رفض الاتصالات الدبلوماسية مع أمريكا، فإن جناحها السياسي (حزب الأمة) يستقبل دبلوماسيين أمريكيين. وعندما تُبْدِي الحركة بعض المرونة في مسألة المشاركة في مؤتمر الحوار الوطني، يرفض (الحزب الديمقراطي)، الوكيل عن الحركة، المشاركة في الحوار.
هذا في الوقت الذي ترفض فيه الحركة رفضًا قاطعًا التخلي عن الاحتفاظ بالسلاح أو مناقشة ذلك، تمسكًا بمبدأ العنف واستخدام القوة لتحقيق ما تريده من مكاسب قد يصعب تحقيقها عبر الوسائل السلمية، وكأنها بذلك تُكَرِّر تجربة (حزب الله) في لبنان، الذي أصبح مشاركًا في السلطة في لبنان بعد أن فرض نفسه بقوة السلاح، مع المشاركة في العمل السياسي عبر زراعة أو صناعة وكلاء سياسيين يتبنون سياسة الحركة إلى جانب التحالفات السياسية، لتحصل الحركة عن طريق السياسة على ما لم تحصل عليه بطريق السلاح.
ولا يَخْفَى أن المذهب الزيدي قد تقبَّله قطاع من اليمنيين، وتعايش معه الأكثرية من أتباع المذهب السني في اليمن عبر مئات السنين، ولكن المشكلة تكمن في محاولة استغلال المذهب الزيدي كوسيلة وغطاء لتحقيق مطامع جماعة أو فئة، ومطمع لقوى خارجية تقف وراءهم بحجة الدفاع عن المذهب وعن أتباعه.
السعي لإقامة دولة للحوثيين:
جاءت تحركات الحوثيين السياسية بعد الثورة الشعبية في اليمن عام 2011 نحو الوصول إلى الحكم أو المشاركة فيه بنصيب، في الوقت الذي تنبع فيه الحركة من الفكر الزيدي في اليمن، لكنها تتخطاه إلى الفكر الزيدي الجارودي المنفتح على المذهب الشيعي الاثني عشري وعلى التجربة الخمينية الإيرانية في مسألة الحكم وإعادة بناء الدولة. وهي بينما تقوم عقيدتها على فكرة الإمامة من آل الحسن وآل الحسين تتحدث عن شعارات ثورية تُعْلِن عن تطلعها إلى دولة مدنية ديمقراطية تقوم على حماية الحقوق وكفالة الحريات.
وفي الوقت الذي تعارض ولا توافق أو تعترف بشرعية السلطة في صنعاء، سواء قبل قيام الثورة الشعبية أو بعد قيامها، فهي تؤسس لنفسها كيانًا سياسيًا مستقلًا في مناطق شمال اليمن، وتُقَوِّي هذا الكيان وتُعِدُّه عسكريًا، وتعمل على بسط نفوذه ليس في حدود محافظة صَعْدَة التي يسيطرون عليها ويمارسون فيها ما يشبه الحكم الذاتي، بل يسعون إلى بسط نفوذهم إلى كل المناطق الشمالية من اليمن، والسيطرة على المواقع الإستراتيجية فيها. فنحن أمام جماعة طائفية عقائدية مسلحة لها أهدافها السياسية، متمثلة في دولة أو دويلة مذهبية تعمل لنفسها ولصالح قوى خارجية تقف وراءها.
وقد اتخذ الحوثيون مسارين متوازيين في اتجاه إثارة الصراع الطائفي في اليمن:
الأول: القيام بالتعبئة والشحذ الطائفي والمذهبي في نفوس الأتباع ضد المخالفين.
الثاني: استخدام القوة والعنف والأعمال المسلحة للتنكيل بالمخالفين لإضعافهم؛ خصوصًا في المناطق الزيدية.
وصاحب ذلك استخدام الحوثيين بعد الثورة لاسم جديد أطلقوه على جماعتهم هو (أنصار الله)، والذي بدأ استعماله من مارس 2010، وسرعان ما طغى استعماله بينهم، وهو يوحي بالدفاع عن الإسلام والمسلمين، أو على الأقل الدفاع عن المذهب الزيدي الذي يعتنقونه، وقد انتشر الاسم الجديد على مواقع الإنترنت وفي الخطابات والوثائق الصادرة من الحركة وحلفائها.
تنامي تسليح الحوثيين:
تعمد الحوثيون سياسة الكتمان فيما يتعلق بتسليح الحركة؛ خاصة أن تسليحها يتم عن طريق مصادر غير رسمية، لكن أظهرت المعارك التي خاضها الحوثيون أنهم يمتلكون مختلف أنواع الأسلحة البرية الخفيفة والمتوسطة والثقيلة، بل أجروا بعض التدريبات والمناورات العسكرية باستخدام قاذفات صواريخ ومضادات للطائرات وغيرها من الأسلحة الثقيلة. بل رصدت مصادر يمنية امتلاك الحوثيين لصواريخ (كاتيوشا) تم تهريبها إليهم عن طريق البحر، وتم استخدامها خلال مواجهة القوات السعودية، وهي من النوع الذي سبق أن استخدمه حزب الله اللبناني في قصف أهداف في شمال إسرائيل، مما يُعَد من أدلة التمويل العسكري الذي يتلقاه الحوثيون من إيران وحزب الله اللبناني.
وقد ذكر تقرير أمريكي أمني صدر عام 2009 أن لإيران دورًا في عمليات تهريب منتظمة للسلاح، بالإضافة إلى تقديم ملايين الدولارات، حيث يتم تهريب السلاح من ميناء عَصَب الإريتري إلى سواحل قريبة من محافظة صَعْدَة في مديرية (مِيدِي) اليمنية ليتم تخزينها، ثم نقلها عبر مهربين إلى محافظة صَعْدَة، معقل المتمردين الحوثيين. كما ذكر التقرير أن القوات البحرية الإيرانية الموجودة في البحر الأحمر وخليج عدن تُقَدِّم تأمينًا لعمليات التهريب تلك. وذكر تقرير أمني أن محافظة مَأْرِب تُعَد أيضًا خط دعم لإمداد الحوثيين بالسلاح والمستلزمات الحربية التي يحتاجونها؛ هذا بالإضافة إلى شراء الأسلحة من خلال تجار السلاح في اليمن والقرن الإفريقي (راجع: إيران والحوثيون، أحمد أمين الشجاع: 157-158) .
التدخل الإيراني في اليمن:
- لم يعد الحديث عن التدخل الإيراني في شؤون اليمن الداخلية بعد الثورة الشعبية أمرًا خافيًا، حيث استغلت إيران حالة الضعف التي تعاني منها الدولة اليمنية، وحالة الانقسام، والأوضاع الاقتصادية السيئة، والخلافات الداخلية، وفي مقدمتها التمرد الحوثي في الشمال، والحراك الانفصالي، سواء السلمي أو المسلح، في الجنوب، لخلق منطقة نفوذ في هذا الجزء المهم من العالم. وهو ما جعل الرئيس اليمني (عبد ربه منصور هادي) يتهم إيران في أكتوبر 2012 بالسعي لتنفيذ مخطط للسيطرة على مضيق باب المندب في البحر الأحمر، كما اتهم إيران بالتدخل في شؤون اليمن الداخلية من خلال دعم الانفصاليين غير السلميين في الجنوب، والذين يستخدمون السلاح في حراكهم ضد الدولة.
