حرب الرقائق الإلكترونية بين الدول الكبرى
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فالرقائقُ الإلكترونيةُ هي دوائرُ كهربائيةٌ متكاملةٌ مُصَغَّرَةٌ على قِطْعَةٍ صغيرةٍ جدًّا (شريحةٍ رقيقةٍ) من مادةٍ شبهِ موصلةٍ (مادةٍ نصفِ موصلةٍ)، غالبًا ما تكونُ بلورةً أحاديةً من السيليكونِ النقيِّ، وهو عنصرٌ كيميائيٌّ شائعٌ يوجدُ في الرمالِ، كما تكونُ أيضًا من الجرمانيومِ ولكن بدرجةٍ أقلَّ.
وهذه الرقائقُ الإلكترونيةُ تحتوي على ملايينَ كثيرةٍ من الترانزستوراتِ والدوائرِ الإلكترونيةِ الأخرى التي تَعْمَلُ معًا لأداءِ وظائفَ متعددةٍ؛ مثل: معالجةِ البياناتِ أو تخزينِها أو التحكمِ في العملياتِ والاتصالِ. فالرقائقُ الإلكترونيةُ إذًا عبارةٌ عن شريحةٍ صغيرةٍ من مادةٍ شبهِ موصلةٍ تحتوي على دائرةٍ كهربائيةٍ مدمجةٍ تَتَضَمَّنُ الملايينَ من المكوناتِ الإلكترونيةِ المجهريةِ تُسَمَّى ترانزستوراتٍ تَنْقُلُ إشاراتِ البياناتِ.
ويَتَطَلَّبُ تصنيعُ تلك الرقائقِ الإلكترونيةِ مصانعَ خاصةً. وتَبْدَأُ عمليةُ الإنتاجِ بتقطيعِ ألواحِ الموادِ إلى شرائحَ رقيقةٍ، ثم تُضَافُ العناصرُ الإلكترونيةُ على سطحِ الشريحةِ باستخدامِ تقنيةِ الطباعةِ بالضوءِ، وتُرْبَطُ هذه العناصرُ معًا باستخدامِ الأسلاكِ الرفيعةِ لإنشاءِ الدوائرِ الإلكترونيةِ.
وتَشْمَلُ قائمةُ الدولِ التي تَصْنَعُ تلك الرقائقَ الإلكترونيةَ كلًّا من اليابانِ، والولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ، وتايوانَ، وروسيا (جمهوريةِ روسيا الاتحاديةِ)، وألمانيا، والمملكةِ المتحدةِ. أمَّا في العالمِ العربيِّ، فتَقُومُ الإماراتُ العربيةُ المتحدةُ بتصنيعِ هذه الرقائقِ.
وتُعَدُّ الرقائقُ الإلكترونيةُ مكوِّنًا أساسيًّا لا غنى عنه للنموِّ الاقتصاديِّ والأمنِ والابتكارِ التكنولوجيِّ؛ هذا على الرغمِ من كونِها أصغرَ حجمًا من طابعِ البريدِ وأرقَّ بكثيرٍ من شعرةِ الإنسانِ.
وللأهميةِ الاقتصاديةِ الكبرى لهذه الصناعةِ، فقد اتَّخَذَتْ مصرُ عدةَ خطواتٍ في هذا المجالِ من خلالِ إنشاءِ المجلسِ الوطنيِّ لبناءِ وتوطينِ تكنولوجيا صناعةِ الرقائقِ الإلكترونيةِ والخلايا الشمسيةِ في عامِ 2024م.
وقد بَلَغَتْ قيمةُ صناعةِ الرقائقِ وأشباهِ الموصلاتِ عالميًّا في عامِ 2023 نحوَ 550 مليارَ دولارٍ، ومن المتوقَّعِ أنْ تَتَضاعَفَ تلك القيمةُ بحلولِ عامِ 2030م، وتَسِيطَرَ بقوةٍ على الاقتصادِ العالميِّ، بما يَجْعَلُها من أكبرِ الصناعاتِ في العالمِ، بمنزلةٍ تَعْدِلُ إمداداتِ النفطِ في العالمِ؛ إذْ يُمْكِنُ لمن يَسِيطَرُ على تصنيعِ تلك الرقائقِ إضعافُ القوَّتَيْنِ العسكريةِ والاقتصاديةِ للدولِ الأخرى، كما تُسْهِمُ تلك الصناعةُ في توظيفِ الملايينِ من الأشخاصِ ورفعِ الناتجِ المحليِّ الإجماليِّ للدولِ.
ورغمَ صِغَرِ الرقائقِ الإلكترونيةِ، فإنَّها تَدْخُلُ في تركيبِ معظمِ الصناعاتِ المتطورةِ، من الهواتفِ الذكيةِ وأجهزةِ الكمبيوترِ وبعضِ الأجهزةِ الطبيةِ كأجهزةِ تنظيمِ ضرباتِ القلبِ، كما تَدْخُلُ في المركباتِ الإلكترونيةِ والإنترنتِ، والطائراتِ الفائقةِ السرعةِ، وأنظمةِ الرادارِ، والأسلحةِ المتطورةِ والصواريخِ والدباباتِ وتحديدِ المواقعِ والتوجيهِ البصريِّ، وتشفيرِ الإشاراتِ وفكِّ تشفيرِها، والخدماتِ اللوجستيةِ، إلى جانبِ تقنياتِ الذكاءِ الاصطناعيِّ والحوسبةِ الحكوميةِ والاتصالاتِ اللاسلكيةِ المتقدمةِ، لاسيما شبكةِ الجيلِ الخامسِ، إلى جانبِ دورِها في الحروبِ الرقميةِ التي تَسْتَهْدِفُ اختراقَ البنيةِ التحتيةِ للخصومِ وأنظمةِ تشغيلِها.
وتُعَدُّ صناعةُ الرقائقِ الإلكترونيةِ من الصناعاتِ ذاتِ التكلفةِ المرتفعةِ، حيث يَتَكَلَّفُ إنشاءُ مصنعٍ لها ملياراتَ الدولاراتِ، ويَسْتَغْرِقُ بناؤُه سنواتٍ، ويَحْتَاجُ إلى تشغيلِه بشكلٍ ثابتٍ دائمًا طوال ساعات اليوم الأربع والعشرين كلها لتحقيقِ الأرباحِ الطائلةِ من ورائِه.
وتَسْتَحْوِذُ تايوانُ على ما يَقْرُبُ من 65% من سوقِ صناعةِ أشباهِ الموصلاتِ العالميةِ في عامِ 2023م، وتَسِيطَرُ شركةُ (تي أس أم سي) على حوالي 55% من سوقِ المسابكِ العالميةِ، مما عَزَّزَ مكانةَ تايوانَ بلا منازعٍ في أشباهِ الموصلاتِ.
ويَبْلُغُ معدلُ الاكتفاءِ الذاتيِّ في الصينِ في أشباهِ الموصلاتِ نسبةَ 16% في عامِ 2023، ومع تصاعدِ التوتراتِ والقيودِ الأجنبيةِ، تَسْعَى الصينُ إلى زيادةِ الإنتاجِ المحليِّ، حيث تَهْدِفُ الصينُ إلى مضاعفةِ معدلِ الاكتفاءِ الذاتيِّ إلى 70% بحلولِ عامِ 2030.
وقد بَلَغَتْ قيمةُ وارداتِ الصينِ من أشباهِ الموصلاتِ 350 مليارَ دولارٍ في عامِ 2022، وهو رقمٌ مذهلٌ يَدُلُّ على مدى اعتمادِ الصينِ على تكنولوجيا الرقائقِ الإلكترونيةِ الأجنبيةِ.
أمَّا كوريا الجنوبيةُ، فتَسْتَحْوِذُ على 20% من حصةِ سوقِ صناعةِ أشباهِ الموصلاتِ العالميةِ في عامِ 2023، مما يَجْعَلُها أيضًا قوةً عظمى في صناعةِ أشباهِ الموصلاتِ.
أمَّا الولاياتُ المتحدةُ الأمريكيةُ، فتُنْتِجُ نحوَ 10% من الرقائقِ العالميةِ، لكنَّها لا تُنْتِجُ الرقائقَ الأكثرَ تقدمًا. بينما تَأْتي ألمانيا في المرتبةِ الثانيةِ بعدَ الولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ من حيثِ الاستثمارِ الأجنبيِّ المباشرِ في أشباهِ الموصلاتِ.
