حرب الرقائق الإلكترونية بين الدول الكبرى
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
ويَشْهَدُ العالمُ حاليًّا حربًا عالميةً تجاريةً شديدةً تُثيرُها صناعةُ أشباهِ الموصلاتِ، خاصةً بعدَ جائحةِ فيروسِ كورونا وحالةِ التضخمِ العالميِّ الحاليةِ. وتَأْتي الولاياتُ المتحدةُ الأمريكيةُ والصينُ في مقدِّمةِ أطرافِ تلك الحربِ العالميةِ، إلى جانبِ اليابانِ وتايوانَ وكوريا الجنوبيةِ؛ سواءٌ فيما يَتَعَلَّقُ بتصميمِ التقنياتِ والمعداتِ وحقوقِها الفكريةِ، أو على مستوى تصنيعِ الرقائقِ الإلكترونيةِ، بالإضافةِ إلى الشركاتِ المتخصصةِ في تصنيعِ الرقائقِ الإلكترونيةِ والتي تُعْرَفُ تقنيًّا باسمِ (المسابكِ)، وهي التي تَتَوَلَّى تصنيعَ الرقائقِ الإلكترونيةِ وإنتاجَها، لكن دونَ أنْ تكونَ مالكةً لحقوقِ تصميماتِها، وتُعَدُّ بمنزلةِ مصادرَ خارجيةٍ لإنتاجِ الرقائقِ، وتَتَرَكَّزُ هذه الشركاتُ المتخصصةُ في قارةِ آسيا، حيث تُمَثِّلُ تايوانُ والصينُ وكوريا الجنوبيةُ ما يَقْرُبُ من 87% من سوقِ تلك المسابكِ على مستوى العالمِ.
وقد كانتِ الولاياتُ المتحدةُ حتى وقتٍ قريبٍ تُعَدُّ الأولى في تصميمِ وتصنيعِ أسرعِ الرقائقِ الإلكترونيةِ، ولكنْ تَفَلَّتَتْ من بينِ يدَيْها المكوناتُ الرئيسيةُ لهذه الصناعةِ، وقد ظَهَرَتْ قوى أخرى عالميةٌ في هذا المجالِ؛ من أبرزِها: الصينُ التي تُعْطي صناعةَ أشباهِ الموصلاتِ الأولويةَ.
ونظرًا لاعتمادِ جميعِ أنظمةِ ومنصاتِ الدفاعِ الأمريكيةِ في أدائِها على أشباهِ الموصلاتِ، فإنَّ أيَّ تراجعٍ في قدراتِ أمريكا في هذه الصناعةِ، أو لَحَاقَ أحدِ المنافسينَ -خاصةً الصينَ- بالمستوى التقنيِّ الأمريكيِّ، يُشَكِّلُ تهديدًا مباشرًا للقدراتِ العسكريةِ الأمريكيةِ؛ ولهذا فتُحَاوِلُ الولاياتُ المتحدةُ الحفاظَ على ريادتِها التكنولوجيةِ في هذا المجالِ، بينما تُكَافِحُ الصينُ لتحقيقِ الاكتفاءِ الذاتيِّ فيه.
وقد أعلنَتْ أمريكا في عامِ 2022 عن إقامةِ تحالفٍ مع اليابانِ وهولندا لتقييدِ تصديرِ بعضِ آلاتِ إنتاجِ الرقائقِ الإلكترونيةِ المتقدمةِ إلى الصينَ لتقويضِ القدراتِ التكنولوجيةِ المتقدمةِ في الصينَ، والتي تَقُومُ الصينُ بتوظيفِها في مجالِ الذكاءِ الصناعيِّ وفي التطورِ التكنولوجيِّ. بينما أنشأتِ الصينُ لتحقيقِ الاكتفاءِ الذاتيِّ ائتلافًا تجاريًّا من الشركاتِ والمعاهدِ البحثيةِ، من أبرزِها الأكاديميةُ الصينيةُ للعلومِ، لتعزيزِ الإنتاجِ الصينيِّ المحليِّ من أشباهِ الموصلاتِ وإنشاءِ ملكيةٍ فكريةٍ جديدةٍ لها، مع زيادةِ دعمِ جهودِها في تصميمِ رقائقِ أشباهِ الموصلاتِ.
موقف تايوان من حرب الرقائق الإلكترونية:
تُنْتِجُ تايوانُ (وعاصمتُها تايبيه) غالبيةَ أشباهِ الموصلاتِ والرقائقِ المتقدمةِ من خلالِ شركةِ تايوانَ لصناعةِ أشباهِ الموصلاتِ المعروفةِ باسمِ (درعِ السيليكونِ لتايوانَ)، حيث تَسِيطَرُ على نحو 53% من سوقِ إنتاجِ أشباهِ الموصلاتِ العالميِّ، وتُوَفِّرُ نحو 92% من الرقائقِ المتقدمةِ المستخدمةِ في الإلكترونياتِ الحديثةِ، مما جَعَلَها في عدادِ الشركاتِ الأكثرِ ربحيةً في العالمِ. وتَعْتَمِدُ الصينُ بشكلٍ كبيرٍ على التكنولوجيا التايوانيةِ لتشغيلِ الصناعاتِ الرئيسيةِ في الصينِ، وعلى الرغمِ من تقدمِ الصينِ في الخوارزمياتِ والبرامجِ وفي الأسواقِ، لكنْ ما زالتْ تَحْتَاجُ صناعتُها إلى رقائقِ الحاسوبِ العاليةِ الأداءِ التي لا تَمْلِكُها.
وقد تَرَتَّبَ على هذه الأوضاعِ صراعٌ صينيٌّ أمريكيٌّ حولَ تايوانَ، حيث تَسْعَى الصينُ إلى ضمِّ تايوانَ ولو بغزوِها، بينما تُعَارِضُ أمريكا ذلك وتَرْفُضُه بشدةٍ، خاصةً أنَّ إعادةَ توحيدِ الصينِ وتايوانَ وخضوعَ مصانعِ تايوانَ تحتَ السيطرةِ الصينيةِ سَيَمْنَحُ الصينَ الاحتكارَ الفعليَّ لأكثرِ صناعاتِ الرقائقِ في العالمِ تقدمًا، بما يَجْبُرُ أمريكا وقتَها على البحثِ عن مصادرَ بديلةٍ، وهو أمرٌ قد يَسْتَغْرِقُ منها سنواتٍ عديدةً، وسَيُنْفَقُ عليه عشراتُ الملياراتِ من الدولاراتِ، تكونُ خلالَها أمريكا قد تَرَاجَعَتْ إلى المكانةِ الثانيةِ تكنولوجيًّا.
وتُعَاني تايوانُ من الضوابطِ والقيودِ الأخيرةِ التي وَضَعَتْها الأمريكيةُ على صناعةِ الرقائقِ الإلكترونيةِ، والتي قد تُؤَدِّي إلى إنشاءِ صناعةٍ أمريكيةٍ لأشباهِ الموصلاتِ قادرةٍ على إنتاجِ شرائحَ متناهيةِ الصغرِ، تُقَلِّلُ مستقبلًا من اعتمادِ أمريكا على تايوانَ في هذا المجالِ؛ كما تُعَاني تايوانُ من ضغطِ صناعةِ الرقائقِ على مواردِ البلادِ من الطاقةِ والمياهِ، مما يُؤَثِّرُ على قدرتِها ومرونتِها في مواجهةِ التحدياتِ والتهديداتِ الخارجيةِ؛ فمثلًا: تَسْتَوْرِدُ تايوانُ -لافتقارِها إلى الاستثماراتِ الزراعيةِ في مجالِ الزراعةِ والغذاءِ- أكثرَ من 70% من منتجاتِها الغذائيةِ من الخارجِ، مما يُهَدِّدُها، خاصةً حالَ الحصارِ من الصينِ لفتراتٍ طويلةٍ تَحْرِمُها من الوارداتِ، بالتعرضِ لأزمةٍ واسعةٍ تَتَعَلَّقُ بندرةِ الغذاءِ فيها.
موقف الولايات المتحدة من حرب الرقائق:
قامَتِ الولاياتُ المتحدةُ الأمريكيةُ بتقديمِ إعفاءاتٍ ضريبيةٍ وحوافزَ لمصانعِ إنتاجِ الرقائقِ الإلكترونيةِ في أمريكا، مع وَضْعِ قواعدَ لتقييدِ بيعِ الشركاتِ الأمريكيةِ للرقائقِ الإلكترونيةِ المتقدمةِ التي تُسْتَخْدَمُ في تطويرِ الحوسبةِ الفائقةِ والذكاءِ الصناعيِّ للشركاتِ الصينيةِ، كما مَنَعَتْ كذلك المواطنينَ الأمريكيينَ وحاملي بطاقةِ الإقامةِ الخضراءِ من العملِ في شركاتٍ صينيةٍ تَعْمَلُ في هذا المجالِ، بالإضافةِ إلى توقيعِ عقوباتٍ أمريكيةٍ من قبلِ على شركةِ (هواوي) الصينيةِ في عامِ 2019.
