حرب الرقائق الإلكترونية بين الدول الكبرى
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وقد سَعَتِ الولاياتُ المتحدةُ الأمريكيةُ إلى تحويلِ الضوابطِ والقيودِ الأحاديةِ التي تَتَّخِذُها تجاهَ الصينِ إلى ضوابطَ متعددةِ الأطرافِ من خلالِ إشراكِ أكبرِ دولِ العالمِ المنتجةِ لأشباهِ الموصلاتِ، وهي اليابانُ وهولندا اللتان تَمْتَلِكانِ تكنولوجيا تصميمِ وإنتاجِ الرقائقِ الإلكترونيةِ، وتَنْفَرِدُ هولندا بأنَّ لديها إحدى الشركاتِ الرئيسيةَ في العالمِ التي تَصْنَعُ آلاتَ تصنيعِ الرقائقِ المتطورةِ، وتَبيعُ آلاتَ الطباعةِ الحجريةِ للأشعةِ فوقَ البنفسجيةِ المتطرفةِ بقيمةِ 200 مليونَ دولارٍ لمصنِّعي أشباهِ الموصلاتِ، وتُعَدُّ الصينُ أحدَ أكبرِ عملائِها؛ هذا بالإضافةِ إلى أنَّ كوريا الجنوبيةَ تَمْتَلِكُ خطوطَ إنتاجِ الرقائقِ، وتَشْتَرِكُ دولُ هذا التحالفِ جميعُها في تخوُّفِها من تطورِ الصينِ في هذه الصناعةِ، فيُمْكِنُ من خلالِ هذا التحالفِ مع الولاياتِ المتحدةِ ضدَّ الصينِ إعادةُ هيكلةِ سلسلةِ التوريداتِ العالميةِ لأشباهِ الموصلاتِ بحيث تُقَلِّلُ من الاعتمادِ على الصينِ عن طريقِ تنويعِ قدراتِها التصنيعيةِ جغرافيًّا بعيدًا عن الصينِ، مع حمايةِ الملكيةِ الفكريةِ لشركاتِ هذه الدولِ، والتنسيقِ فيما بينَها حولَ ضوابطَ وقيودٍ محددةٍ على الصادراتِ إلى الصينِ.
وقد انْقَسَمَتْ آراءُ المحللينَ حولَ جدوى ومدى فاعليةِ هذا التحالفِ بقيادةِ أمريكا، فأكَّدَتْ تحليلاتٌ أنَّ إشراكَ هؤلاء الحلفاءِ سَيُسْهِمُ في إيجادِ منافعَ متميزةٍ للولاياتِ المتحدةِ؛ منها:
- تقليلُ القدراتِ التكنولوجيةِ المتقدمةِ للصينِ بتعطيلِ قدرتِها على الوصولِ إلى التكنولوجيا المتقدمةِ أو الخبرةِ اللازمةِ لصنعِ الأنواعِ الأكثرِ تقدمًا من أشباهِ الموصلاتِ.
- عَزْلُ الصينِ عن سوقِ تصنيعِ الرقائقِ الإلكترونيةِ، ويَحْرِمُ هذا الصينَ من الوصولِ على وجهِ الخصوصِ إلى آلاتِ الطباعةِ المهمةِ لتصنيعِ تلك الرقائقِ، حيث تَمْتَلِكُ هولندا -أحدُ أفرادِ التحالفِ مع الولاياتِ المتحدةِ- إحدى الشركاتِ الرئيسيةَ في العالمِ التي تَصْنَعُ آلاتَ تصنيعِ الرقائقِ المتطورةِ، وتَقُومُ ببيعِ آلاتِ الطباعةِ الحجريةِ للأشعةِ فوقَ البنفسجيةِ المتطرفةِ، وتُعَدُّ الصينُ أحدَ أكبرِ عملائِها. ويُؤَدِّي ذلك إلى عَرْقَلَةِ جهودِ الصينِ لتطويرِ صناعاتِها المدنيةِ والعسكريةِ.
- نجاحُ الولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ في الضغطِ على هولندا لمُجَارَاةِ القواعدِ الأمريكيةِ في منافستِها مع الصينِ.
- وَضْعُ البدايةِ لإيجادِ تحالفٍ لمواجهةِ الصينِ، ومن المتوقَّعِ تَوَسُّعُه ليَصُبَّ في مصلحةِ أمريكا لتقويةِ صناعةِ الرقائقِ في أمريكا والإبقاءِ على الهيمنةِ الغربيةِ لهذه الصناعةِ.
ويرى البعضُ أنَّ هذا التحالفَ لن يَنْجَحَ في خفضِ مبيعاتِ معداتِ الرقائقِ للصينِ لأمورٍ، منها:
- أنَّ هناك إيراداتٍ هائلةً لكلٍّ من هولندا واليابانِ من السوقِ الصينيةِ، ليس من السهلِ التضحيةُ بها من أجلِ خدمةِ إستراتيجيةِ واشنطنَ في التعاملِ مع أزمةِ أشباهِ الموصلاتِ؛ فهناك علاقاتٌ اقتصاديةٌ كثيفةٌ مع الصينِ، تَجْعَلُ الدولَ المستفيدةَ منها حذرةً في تنفيذِ السياساتِ التي تَقْيِدُ شركاتِها في مجالِ تصديرِ الرقائقِ الإلكترونيةِ، حيث سَتَخْسَرُ الشركاتُ اليابانية والهولنديةُ ملياراتَ الدولاراتِ عندَ توقُّفِ تعاملِها مع الصينِ؛ فعلى سبيلِ المثالِ: تَصِلُ شركةُ (طوكيو إلكترون) إلى نحو 25% من عائداتِها من صادراتِها إلى الصينِ، كما تَبْلُغُ إيراداتُ شركةِ (أي إس إم إل) نحو 14% من الصينِ، مما دَعَا الشركةَ إلى إعلانِ أنَّ دخولَ الاتفاقِ مع واشنطنَ حيِّزَ التنفيذِ سَيَسْتَغْرِقُ وقتًا طويلًا.
- كما أنَّ كوريا الجنوبيةَ قد تَتَخَوَّفُ من الإجراءاتِ الانتقاميةِ المحتملةِ من جانبِ الصينِ بسببِ تحالفِها مع الصينِ، نظرًا لكونِ كوريا الجنوبيةِ تَعْتَمِدُ على الموادِ الخامِ التي تَسْتَوْرِدُها من الصينِ لإنتاجِ الرقائقِ.
- وجودُ تباينِ المواقفِ وتوترِ العلاقاتِ بين الشركاءِ في التحالفِ، كتوترِ كوريا الجنوبيةِ مع اليابانِ بسببِ خلفيةِ اليابانِ التاريخيةِ الاستعماريةِ، وكالمخاوفِ التنافسيةِ بين الشركاتِ التايوانيةِ وكوريا الجنوبيةِ التي تَتَعَارَضُ مع المشاركةِ.
وعلى هذا، فمن الصعبِ مقدَّمًا تحديدُ من سَيَكُونُ الفائزُ في حربِ الرقائقِ الإلكترونيةِ، لأنَّ ذلك يَتَوَقَّفُ على أمورٍ، منها:
- كيفيةُ استجابةِ وردِّ فعلِ الصينِ للتصعيدِ الأمريكيِّ الذي تُمَارِسُه الولاياتُ المتحدةُ ضِدَّها. خاصةً أنَّ حظرَ الرقائقِ الإلكترونيةِ على الصينِ يُعَدُّ تسييسًا لقضايا التكنولوجيا في الوقتِ الذي تُمَثِّلُ الصينُ سوقًا كبيرًا لتصديرِ الرقائقِ الأمريكيةِ، فأكثرُ من 60% من عائداتِ شركاتِ الرقائقِ الأمريكيةِ تَأْتي من التصديرِ للصينِ، بالإضافةِ إلى تأثرِ الحظرِ الأمريكيِّ من ارتفاعِ أسعارِ العديدِ من السلعِ الاستهلاكيةِ الصينيةِ التي تُصَدَّرُ للأسواقِ الأمريكيةِ. وقد شَهِدَتْ صناعةُ الرقائقِ الإلكترونيةِ ركودًا حادًّا بسببِ تطبيقِ الولاياتِ المتحدةِ لضوابطِها وقيودِها، حيث انْخَفَضَ الطلبُ على تلك التقنياتِ.
- مدى التعاونِ والتنسيقِ بين الولاياتِ المتحدةِ وحلفائِها.
- مدى ما تُعَاني منه الصينُ من نَقْصٍ في المواهبِ التقنيةِ والبحوثِ الأساسيةِ، فضلًا عن أنَّ صانعي المعداتِ في الصينِ مُتَأَخِّرونَ نحوَ خمسِ سنواتٍ عن نُظَرائِهم في الخارجِ.
- استهلاكُ الصينِ أكثرَ من ثلاثةِ أرباعِ أشباهِ الموصلاتِ المباعةِ على مستوى العالمِ، لكنَّها تُنْتِجُ نحوَ 15% فقط من الإنتاجِ العالميِّ.
- مدى قدرةِ الصينِ على مضاعفةِ جهودِها لِرَعْيَةِ شركاتِها المحليةِ القويةِ.
