مختصر تاريخ تطور مدينة القاهرة (1-2)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
وقد ظلت الفسطاط المدينة الأولى في مصر إضافة إلى مدينتي: العسكر والقطائع بعدها اللَّتين لم تكتملا، حتى تم بناء مدينة القاهرة في عهد المعز لدين الله الفاطمي، والتي ظلت منافسة للفسطاط إلى أن خربت الفسطاط. وجاء خراب الفسطاط من خلال الشدة العظيمة التي قضت على بشر كثيرين في عهد المستنصر بالله الفاطمي، ثم بسبب حريق الفسطاط عام 1168م خلال وزارة شاور قرب نهاية دولة الفاطميين أثناء الصراع بين شاور وضرغام أثناء السنوات الأولى لحكم العاضد، آخر حكام الدولة الفاطمية في مصر (1160م - 1171م).
بناء مدينة العسكر:
المراد بالعسكر الجند. وقد أُسِّست مدينة العسكر عام 752م؛ أي: في القرن الثامن الميلادي الموافق للقرن الثاني الهجري، فكانت العاصمة الثانية لمصر بعد الفسطاط لأكثر من قرن من الزمان، بناها القائد صالح بن علي العباسي ، أول والٍ للعباسيين في مصر (133هـ - 750م)، ليقيم فيها جيشه، حيث كانت في البداية مقصورة على الجنود العباسيين، ولعل لهذا السبب أُطلق عليها الناس مدينة العسكر، واستمر الحال على ذلك حتى زمن والي مصر السري بن الحكم (201هـ - 816م)، الذي أذن للناس بالبناء بالقرب منها، فنمت المدينة وامتدت حتى اتصلت بالفسطاط وأصبحت جزءًا منها.
كانت مدينة العسكر تقع شمال مدينة الفسطاط، وهي حاليًا جزء من القاهرة القديمة (حي مصر القديمة)، وتحديدًا في المنطقة الواقعة بين حي المدابغ في القاهرة القديمة وجنوب حي السيدة زينب، وإن لم يتبق منها إلا معالم متفرقة.
بناء مدينة القطائع:
عندما تولى أحمد بن طولون حكم مصر واستقل بها عن الخلافة العباسية، فكانت أول دويلة تستقل عن الدولة العباسية، بنى ابن طولون مدينة القطائع عام 870م، واتخذها مقرًّا لحكمه، فكانت العاصمة الثالثة لمصر الإسلامية طوال عهد الدولة الطولونية. بُنيت مدينة القطائع شمال شرق مدينة العسكر، حيث يَحدُّها من الشرق جامع ابن طولون المبني على منحدرات جبل يشكر، وجنوب الجامع كانت دار الإمارة، ويَحدُّها من الشمال بركة الفيل، ويَحدُّها من الجنوب مشهد ضريح زين العابدين، وفي وسطها كان تل جبل يشكر، فكانت مدينة رائعة، بلغت مساحة أراضيها نحو 270 هكتارًا (نحو 667 فدانًا) مقسمة إلى قطع، قُسمت على جند ابن طولون، وسُمِّيت كل قطيعة منها على اسم ساكنيها من الجنود، من النوبة والسودان والروم وغيرهم، وفيها بُنيت مستشفى (بيمارستان)، وكان بها أسواق لتلبية احتياجات السكان، وبها ديوان للحكم، وتقسيم جغرافي للمهن، وبُنيت فيها قناة لتوصيل المياه بين بركة الحبش والقصر. وقد دُمِّرت مدينة القطائع على يد العباسيين بعد القضاء على الدولة الطولونية في مصر عام 905م، فلم يبقَ منها إلا جامع ابن طولون بمئذنته المميزة.
بناء مدينة القاهرة:
بعد سقوط الدولة الطولونية في مصر، وبعد ضعف الدولة الإخشيدية بوفاة مؤسسها كافور الإخشيدي عام 968م، طمعت الدولة الفاطمية في الاستيلاء على مصر، وذلك في عهد المعز لدين الله الفاطمي (953م - 975م)، وهو الحاكم الرابع للدولة الفاطمية.
والدولة الفاطمية حكمتها أسرة نَسَبت نفسها إلى فاطمة الزهراء -رضي الله عنها- ابنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وحقيقتهم أنهم ينتمون إلى فرقة الإسماعيلية، إحدى فرق غلاة الشيعة الباطنية المارقة من الدِّين؛ بدأت حكمها من تونس بالمغرب العربي، ثم امتدت شرقًا لنشر معتقداتها الفاسدة، وقد أمر المعز لدين الله قائده جوهر الصقلي (928م - 992م) اليوناني الأصل بغزو مصر وكلفه ببناء مدينة متكاملة فيها ليحكم مصر منها. ولم يلاقِ الجيش الفاطمي عند دخوله لمصر سوى مقاومة ضعيفة من جانب الإخشيديين، وأقام جوهر الصقلي معسكرًا له في الجيزة، ثم عبر نهر النيل، واجتاز مدينة الفسطاط، ليستقر في شمالها، حيث بنى هناك مدينة (القاهرة) لتكون عاصمة مصر الجديدة، كما بنى بها الجامع الأزهر لنشر المذهب الشيعي في مصر. وقد سُمِّيت بالقاهرة نسبة إلى كوكب المريخ (القاهر) الذي ظهر في السماء وقت بناء المدينة. وقيل: سُمِّيت بهذا الاسم تفاؤلًا بأنها ستقهر من يعاديها. وتحتفل القاهرة بعيدها القومي في يوم 6 يوليو من كل عام، وهو اليوم الذي وضع فيه جوهر الصقلي حجر أساس المدينة عام 969م، وقد استغرق بناؤها ثلاث سنوات.
كان الهدف من بناء مدينة القاهرة الجديدة أن تكون مدينة طبقية محصنة يقطنها الحكام والأمراء الفاطميون دون غيرهم، وقد ازدادت قوة القاهرة بعد حريق الفسطاط المنافسة لها، وانفتاح القاهرة للتجار وللعامة، فتوسعت كثيرًا خاصة مع بداية القرن التاسع عشر، حيث ضمت كل مقومات الحياة الحضرية من مساكن ومدارس ومساجد وأسواق ومستشفيات عامة ومدافن موتى وميناء للتجارة والنقل.
وقد تناوب على مدينة القاهرة خلال العصور الوسطى عدة أنظمة حكم مختلفة، كلها منبثقة من بعضها البعض، حيث شهدت معها القاهرة تطورات كبيرة، منها:
بناء قلعة القاهرة في عهد الأيوبيين:
تعرضت مصر لهجمات الصليبيين إبان الدولة الفاطمية، وزال خطر الصليبيين مع بداية دولة الأيوبيين عام 1176م على يد السلطان صلاح الدين الأيوبي مؤسس الدولة الأيوبية في مصر.
دخل صلاح الدين الأيوبي الكردي الأصل مصر لإنقاذها من خطر الصليبيين، بعد أن تعاون مع شاور وزير الحاكم الفاطمي العاضد ، وسرعان ما حاز صلاح الدين وزارة الدولة، فلما مات العاضد تولى صلاح الدين إدارة شؤون مصر، وذلك عام 1171م، واستمر حكم الأيوبيين لأقل من قرن من الزمان. وخلال عهد الأيوبيين بدأ التفكير في بناء قلعة محصنة على جبل المقطم، هي قلعة القاهرة (أو قلعة الجبل)، وذلك لحماية المدينة والدفاع عنها ضد هجمات الأعداء؛ لذا خلت من أي منشآت اقتصادية أو اجتماعية، وهي تُعَدُّ أحد المعالم التاريخية للقاهرة، ومن أعرق القلاع الحربية الإسلامية في القرون الميلادية الوسطى، وهي لا تشبه أي حصن تقليدي.
