مختصر تاريخ تطور مدينة القاهرة (1-2)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
بدأ صلاح الدين مؤسس الدولة الأيوبية بناء القلعة عام 1171م لتكون الرابط الذي يربط كبرى مدن (عواصم) مصر القاهرة والفسطاط، حيث أحاطهما بسور واحد، وجعلت القلعة لتكون بمثابة القلب النابض لهما، ولكن لم يشهد صلاح الدين اكتمال بناء القلعة، إذ اكتمل البناء في عهد السلطان الكامل؛ لذا كان هو أول من سكنها، وأول من اتخذها دارًا للملك ومقرًا لحكم مصر، واستمرت مقرًا للحكم من بعده حتى عهد الخديوي إسماعيل الذي نقل مقر حكم مصر إلى قصر عابدين.
وتضم قلعة القاهرة العديد من المعالم الأثرية الإسلامية، منها: جامع الناصر بن قلاوون، وجامع محمد علي باشا، ومسجد سليمان باشا الخادم، وبئر يوسف، وعدد من المتاحف.
وقد تضمن بناء القلعة إنشاء خندق من الجهتين الشرقية والشمالية للقلعة، وكان لها عدة بوابات، وما زال على أحد أبواب القلعة نقوش تعود إلى عام 1183م، كما حُفر (بئر يوسف) على عمق 90 مترًا في قلب الصخور للإمداد بالمياه، مما يمكنها من الصمود أمام أي حصار محتمل ولمدة طويلة.
وقد أقام صلاح الدين المدارس لتدريس المذاهب الإسلامية في الفسطاط، لكن لم تشهد إقبال الكثيرين من الرواد لمدة من الزمن؛ نظرًا لأن سكان الفسطاط قد هجروها بعد احتراقها واستقروا بالقاهرة. وشهدت القاهرة في تلك الفترة تحولًا من مدينة للحكام والأمراء ليسكنها العامة، وتهدمت القصور الضخمة، وتحولت إلى مساجد ومدارس، بينما تحولت القصور الصغيرة إلى منشآت للأغراض التجارية، فانتعشت ظروف القاهرة الاقتصادية، وتم إدخال نظام الوقف فيها بتخصيص ملكيات عقارية لدعم تقديم خدمات اجتماعية، حيث يقوم الأثرياء ببناء مجمع يخصص جزء من إيراداته للأنشطة الخيرية، فكانت إيرادات حي الصاغة في القاهرة تخدم المدرسة الناصرية، وكانت متاجر في منطقة باب النصر تقوم بدعم المدرسة السيوفية، وكما بُنيت مدارس للتعليم، وظهرت الخانقاه لاعتكاف الصوفية، وظهرت المؤسسات العامة كالمستشفيات العامة.
بعد وفاة السلطان صلاح الدين الأيوبي عام 1193م، اقتسم أبناؤه وأبناء إخوته الدولة. وانتهى عهد الأيوبيين بموت الملك الصالح نجم الدين أيوب زوج شجرة الدر -رحمها الله-، التي حكمت مصر من بعده، بعد أن أخفت خبر وفاته. فكانت فترة حكم شجرة الدر تلك نقطة تحول من حكم الأيوبيين إلى حكم المماليك.
توسع القاهرة في عهد المماليك:
امتدت دولة المماليك من عام 648هـ إلى عام 923هـ (من عام 1250م إلى عام 1517م)، أي: قرابة قرنين ونصف قرن، وخلفت الكثير من الآثار الدالة على تقدم فنون البناء والعمارة والزخرفة. وقد تحولت القاهرة في تلك الفترة إلى حاضرة الخلافة بعد سقوط بغداد؛ إذ كانت أهم وأكبر مدن العالم، ويرجع ذلك إلى قوة سلاطين المماليك وهيبتهم، وقدرتهم على المحافظة على الأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية إلى جانب ازدهار التجارة، حيث نجح المماليك في جذب تجارة شرق البحر المتوسط إلى القاهرة التي صارت مركزًا للنقل التجاري مع الاستفادة من التجارة بين الهند وأوروبا عن طريق البحر الأحمر.
وقد ظهر المماليك في مظهر منقذي العالم الإسلامي من الضياع والزوال بعد سقوط بغداد عاصمة الدولة العباسية، ويقسم المؤرخون دولة المماليك إلى دولتين: دولة المماليك البحرية التي حكمت من عام 648هـ إلى عام 784هـ (1250م - 1382م)، وحكمها سلاطين من أصل قفجاقي تركي، ودولة المماليك البرجية التي حكمت من عام 784هـ إلى عام 923هـ (1382م - 1517م)، وحكمها سلاطين من أصل شركسي، واشتهر عن المماليك صدهم للهجمات المغولية والصليبية وتطورهم العمراني وازدهار التجارة في عهدهم.
تسلم المماليك مدينة القاهرة من الأيوبيين مدينة محصنة ليس لها توسعات كبيرة خارج نطاقها، سوى بعض الضواحي الجديدة كالأزبكية وبركة الفيل وبولاق. ومع التزايد السكاني المستمر، كانت تُبنى المباني الجديدة في العصر المملوكي من خلال هدم عقارات قديمة لإقامة مبانٍ جديدة مكانها؛ نظرًا لضيق الحيز الفضائي خاصة في الأماكن المأهولة بالسكان، وقد تميزت تلك الفترة من تاريخ القاهرة بالتفوق في البناء المعماري على طراز فني رفيع بقي شاهدًا على التقدم المعماري الإسلامي في ذلك العصر.
بدأت فترة المماليك بحكم المماليك البحرية في ظروف صعبة، حيث كان يهدد الصليبيون البلاد، ويهددها أيضًا زحف المغول، إلى أن تغلب الظاهر بيبرس على هذه الأخطار.
توسعت القاهرة في فترة حكم الظاهر بيبرس جهة الشمال، حيث تم تشييد مسجد الظاهر بيبرس في الحي الشمالي، وهو أول مسجد شُيد لإقامة صلاة الجمعة منذ مسجد الحاكم في عهد الفاطميين؛ كما أنشأ بيبرس على غرار أسلافه مدرسة بالقرب من الصالحية في شارع بيت القصرين، كما تحولت بعض الأراضي الزراعية إلى مناطق سكنية لبعض الأثرياء.
توالى حكم سلاطين المماليك سلطانًا بعد سلطان، فكان كل منهم يشيد مجموعته الخاصة التي تكون غالبًا عبارة عن مسجد ومدرسة وبيمارستان وحمام عام، ومنها مجمع السلطان قلاوون، كما كان الأثرياء ينافسون بعضهم بعضًا في إقامة الأعمال الخيرية ذات النفع العام، وفي مقدماتها تشييد المساجد وبناء الحمامات والأسبلة (جمع سبيل).
وقد شهدت القاهرة في تلك الفترة نموًّا سريعًا في المنشآت التجارية والحوانيت، وظهرت الخانات، وهي نوع من المباني المتعددة الطوابق، كانت لها أسماء مختلفة عبر الزمن كخان أو فندق أو وكالة، وكانت الوكالات طابقًا أرضيًّا يحوي المحال التجارية، وطابقًا علويًّا يُعَدُّ أماكن معيشة للتجار المتنقلين.
وقد شهدت القاهرة توسعات خارج سورها من جهة الشمال لمواجهة زيادة السكان. كما عرفت القاهرة الشكل التقليدي للمدن، حيث تم تخصيص أماكن للمهن والوظائف، وظهرت مسميات جديدة كالنحاسين والصاغة والخيامين وغيرهم من الوظائف التي كانت منتشرة في ذلك الوقت. ويُعَدُّ شارع القصبة الشارع التجاري الأكثر كثافة في القاهرة، حيث كانت الأسواق تُصنَّف وفقًا للتخصصات في نوع معين من التجارة، مثل تجارة التوابل وتجارة الملابس وتجارة السلع الفاخرة.
