شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مختصر تاريخ تطور مدينة القاهرة (1-2)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فتُعَدُّ القاهرة العاصمة السياسية والاقتصادية والإدارية، ومقر الحكم لجمهورية مصر العربية لما يزيد عن ألف عام. وتقع القاهرة عند ملتقى نهر النيل بالدلتا، وتُعَدُّ القاهرة أكثر مدن مصر سكانًا، حيث تَجاوَزَ تعداد سكانها عشرة ملايين نسمة، أي: إن نسبة السكان فيها تُعادل 10% تقريبًا من إجمالي سكان مصر.

وتُعَدُّ القاهرة أكبر مدينة عربية من حيث تعداد السكان ومن حيث المساحة، والثانية في إفريقيا، والسابعة عشرة عالميًا. وتُعَدُّ القاهرة من أكثر المدن تنوعًا ثقافيًّا وحضاريًّا؛ حيث شهدت العديد من الحقب التاريخية التي تركت فيها العديد من المعالم والآثار المختلفة؛ فهي أشبه بمتحف كبير مفتوح، يضم الكثير من الآثار: الفرعونية، واليونانية، والرومانية، والقبطية، والإسلامية، وبها أرقى صور من العمارة المتمثلة في القلاع والحصون والأسوار والمساجد والمدارس؛ بالإضافة إلى معالمها الحديثة.

وتُعَدُّ القاهرة مدينة ومحافظة في آن واحد، حيث تَحدُّ محافظة القليوبية القاهرة من الشمال، بينما تَحدُّها محافظة بني سويف من الجنوب، وتَحدُّها محافظة الجيزة من الغرب، وتبلغ مساحة مدينة القاهرة 308,512 كيلومترًا مربعًا، وتتكون محافظة القاهرة من أربع مناطق إدارية: شمال وجنوب وشرق وغرب، تضم 38 حيًّا.

وقد تسببت العوامل الجغرافية الطبيعية من نهر وتضاريس في أن يكون نمو وتطور القاهرة من جهة الشمال في معظم حقبها التاريخية؛ إذ إن موقع مدينة القاهرة القديم منذ تأسيس مدينة الفسطاط السابقة عليها جعلها محددة من جهة الشرق بتلال المقطم، مما يتعذر معه التمدد نحو الشرق، ومحددة من جهة الغرب بنهر النيل، فلا تتمدد غربًا إلا بمقدار ما سمح به مجرى نهر النيل من أرض؛ إذ إن مجرى النيل شهد بعض الانحراف منذ عهد عمرو بن العاص -رضي الله عنه- إلى الآن، يتمثل في المسافة الحالية بين جامع عمرو بن العاص الذي كان على شاطئ نهر النيل عند بنائه وبين موقعه الحالي من مجرى النهر، أي: نحو خمسمائة متر، بينما يمثل جنوب القاهرة شريطًا ضيقًا من الأرض ينحصر بين التلال ومجرى نهر النيل، فكان من الطبيعي أن يتمدد موقع القاهرة من القديم نحو الشمال حيث الظروف الملائمة، فالأرض شمالًا منبسطة، كما أن موجات القادمين للقاهرة أيضًا جاءت من جهة الشمال، فهي الجهة الأقرب إلى أصولهم التي جاءوا منها، والتي منها يتلقون إمداداتهم، كما إن الأخطار التي تعرضت لها القاهرة عبر تاريخها الطويل كان غالبها أيضًا من جهة الشمال.

ومن الناحية التاريخية مرَّ موقع مدينة القاهرة بمراحل عديدة من البناء والتطور عبر تاريخها الطويل؛ منها:

بناء مدينة الفسطاط:

كان الوجود الروماني العسكري في مصر يضم ثلاثة فيالق: فيلق في الإسكندرية، والتي كانت عاصمة مصر طوال فترة الحكم الروماني لوقوعها على البحر المتوسط، وقربها من روما حيث طرق الإمدادات، والفيلق الثاني في طيبة، والأخير في قلعة تُسمَّى (حصن بابليون)، فلم يكن في موقع الفسطاط قبل إنشائها أي مدن متكاملة قبلها، ولم يكن قبل عام 640 ميلادية إلا حصن بابليون كمقر حكم وقاعدة عسكرية للرومان قبل الفتح الإسلامي، ويمثل هذا الحصن جزءًا مهمًا من تاريخ مصر الروماني، ولا تزال أجزاء من قلعة بابليون قائمة ضمن حدود منطقة مصر القديمة، وتُعَدُّ من أقدم الأماكن في القاهرة. وقد بقي من آثار حصن بابليون أجزاء من الأسوار ومن أبراج بعض المداخل، وقد شيدت كنيسة معلقة فوق برج منها، وتقع كل هذه الأجزاء الآن داخل القاهرة.

وقد حاصر عمرو بن العاص -رضي الله عنه- حصن بابليون حين فتح مصر عام 641 م، وكانت مساحة الحصن نحو خمسة هكتارات (12.5 فدانًا)، وحول الحصن كانت هناك أرض فضاء زراعية، يسكنها أقباط ويهود.

ومع دخول مصر تحت إدارة الدولة الإسلامية واستقرار الجيش الإسلامي بها، كان لا بد من وجود مقر للإدارة والحكم، فكان بناء (الفسطاط)، مدينة الإسلام الأولى في مصر وفي إفريقيا، وعاصمة مصر الجديدة لقرون؛ بُنيت بحيث كان يقع موقع حصن بابليون في وسطها، وسُمِّيت بالفسطاط نسبة إلى الموضع الذي جعل فيه عمرو بن العاص -رضي الله عنه- فسطاطه (خيمته) عند فتحه مصر، وذلك في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-.

ومع ازدهار التجارة فيها، ازدهرت هذه المدينة، وقد أُضيفت لها بعد ذلك ضاحيتان جديدتان هما: (العسكر) و(القطائع)، لكنهما لم تكتملا وزالتا بزوال مؤسسيهما، حيث كان الهدف من بناء هاتين الضاحيتين حماية المؤسسين لهما، فاستمدتا قوتهما من مؤسسيهما وزالتا بزوالهما.

وقد اختط عمرو بن العاص -رضي الله عنه- الفسطاط لجنوده ليستوطنوا بها، وبُني بها مسجد عمرو بن العاص الجامع، وهو أول مسجد بُني في مصر الإسلامية، وقد أُنشئ بالفسطاط ميناء نهري، كما تم شق فيها خليج أمير المؤمنين بعد ذلك.

وقد ساعد موقعها الجيد على بقاء قوتها، وساعد بناء الفسطاط على حدوث اختلاط وترابط ثقافي بين العرب المسلمين وبين المصريين، وازدهرت التجارة في المدينة وتوسعت مع الوقت.

وموقع الفسطاط حاليًا في منطقة مصر القديمة (حي مصر القديمة) جنوب القاهرة، وهو من أعرق الأحياء بالقاهرة الكبرى حاليًا، وبه العديد من الآثار القديمة، لكن يتعذر اليوم التعرف بدقة على موقع مدينة الفسطاط؛ لأن مجرى نهر النيل قد انتقل من موقعه السابق متجهًا جهة الغرب، وكانت الفسطاط على النهر في منطقة ضيقة يسهل منها العبور بين ضفتي النهر، بينما تكونت الأرض الواقعة حاليًا بين موقع الفسطاط ونهر النيل كنتيجة لانتقال مجرى النهر نحو الغرب قليلًا، وظلت الأرض التي انحسر عنها النهر رطبة تملؤها بحيرات ضحلة لا تصلح للسكن والعمران إلا بعد قرون من الترسب والصلابة، فتكونت منطقة (الأزبكية) كأرض صلبة في عهد الفاطميين، وظهرت منطقة (باب اللوق) في عهد الأيوبيين.

الصفحة التالية