شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

في البلاء عافية ورحمات! (من تراث الدعوة)

الشيخ ياسر برهامي • مع الدعاة

فإذا أنعم الله عليه بالشهود علم أنه وإن حُرم واحدة منها -إن حرم- فهو مغمور في ملايين النعم -دون مبالغة- في كل لحظة مِن لحظات حياته، حتى يعجز عن عدها ويشعر بالتقصير في شكرها، كما يتأكد لديه شهود فقره وعجزه وضعفه وشهود غنى ربه -سبحانه- وقدرته وقوته وقهره وعزته وحكمته وملكه.

فهل صنعتَ أيها الإنسان في نفسك خلية واحدة فما فوقها، بل قل ما دونها؟

وهل أنت الذي تحافِظ على أدائها ووظيفتها في أجزاء أجهزة الجسم المختلفة منذ تكونت وأنت نطفة ثم علقة ثم مضغة؟ وهي مِن ذلك التاريخ تعمل إلى الآن دون تدخل منك، فالرزق يأتيها مِن خالقها، لا تستطيع إيصاله لو أراد أن يمنع هو وصوله؛ قال الله -تعالى-: ( مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ) (فاطر:2-3) ، وقال -تعالى-: ( قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ ) (يونس:31) ، وقال -تعالى-: ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآَيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ) (الأنعام:46) .

فالعافية الحقيقية أن يُعافى الإنسان مِن غروره بنفسه، ومِن ظنه أنه يملك، وأنه مستغن بنفسه قائم بها مما يدفعه للطغيان ( كَلا إِنَّ الإنسان لَيَطْغَى . أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى ) (العلق:6-7) ، حتى يأخذه الله أخذ عزيز مقتدر.

ومِن أنواع العافية في البلاء أن يُعافى الإنسان مِن الغفلة مِن أن عذاب الله شديد، ومِن نسيان هول الآخرة مما يتمادى به في الغي والضلال، ولو ذاق بعض العذاب الأدنى في الدنيا لعلم خطر ما هو مقدم عليه فيرجع عن غيه وضلاله: ( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدنى دُونَ الْعَذَابِ الأكبر لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (السجدة:21) .

ولقد جعل الله في الدنيا مِن أنواع الألم والضيق والكرب ما يتعظ به العقلاء وأولو الألباب، ويعلمون ما عند الله مِن العذاب؛ فيخافون سوء الحساب؛ قال -تعالى- عن نار الدنيا: ( نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ ) (الواقعة:73) ، فألم نار الدنيا يذكِّر بعظم نار الآخرة، وسجن الدنيا يذكر بسجن الآخرة، وأمراض الدنيا تذكر بآلام أهل النار في عذابهم بالطعام والشراب، بل بالنـَّفـَس: ( إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ . طَعَامُ الأَثِيمِ . كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ . كَغَلْيِ الْحَمِيمِ . خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ . ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ . ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ ) (الدخان: 43-49) ، وقال -تعالى-: ( وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ ) (محمد:15) ، وقال -تعالى-: ( فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ . خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ) (هود:106-107) ، نعوذ بالله مِن عذاب النار.

ومِن أنواع العافية والرحمة التي في البلاء: قصر الأمل، والاستعداد للرحيل عن الدنيا؛ فمهما كانت الكلمات مؤثرة والمواعظ بليغة لم تؤثر في الإنسان مثل تأثير التجربة العملية بالبلاء وزوال لذات الدنيا، وتقهقر كل هذه اللذات إلى أولويات متأخرة أو منعدمة باختلال شيء واحد مِن وظائف الإنسان الحياتية اليومية مِن سمع أو بصر أو كلام أو حركة يد أو رجل أو استقرار معدة أو كلى دون ألم؛ قال -تعالى-: ( ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأمل فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) (الحجر:3) ، فالبلاء مِن أعظم ما يوقظ الإنسان مِن غفلته ويجعله كما أمر النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .

ومِن أنواع الرحمة التي في البلاء: رحمة قلوب المؤمنين للمبتلى، وشفقتهم عليه ودعاؤهم له، وعيادتهم له، وتضاعف حبهم له؛ لما جعل الله قلوب المؤمنين عامرة بالرحمة والألفة والود ( أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) (الفتح:29) ، وكما وصفهم النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ) (متفق عليه) ، فينتفع المبتلى والمعافى، والداعي والمدعو له، والزائر والمزور بزيادة الإيمان في الدنيا والأجر في الآخرة.

ومِن أنواع الرحمة في البلاء ما جعل الله فيه مِن علامة محبته وزيادتها مع الصبر والرضا، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْط ) (رواه الترمذي وابن ماجه، وحسنه الألباني) .

الصفحة السابقة الصفحة التالية