شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

في البلاء عافية ورحمات! (من تراث الدعوة)

الشيخ ياسر برهامي • مع الدعاة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فتختلف نظرة الناس إلى حقيقة معنى البلاء والعافية، وتتفاوت في ذلك تفاوتًا عظيمًا؛ فأكثرهم يرون في كثرة المال وصحة البدن وسعة الجاه عافية، وفي نقص المال والمرض وخمول الجاه بلاءً، مع أن القرآن قد نَصَّ على أن السرَّاء والضرَّاء كلاهما بلاء وفتنة، قال الله -تعالى-: ( وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ) (الأنبياء:35)، وقال -تعالى-: ( وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (الأعراف:168) .

وقد قال بعض الصحابة استيعابًا منهم للنظرة الصحيحة إلى قضية البلاء والعافية: "ابتلينا بالضراء فصبرنا، وابتلينا بالسراء فلم نصبر"، فقد يكون في العافية -في الظاهر أو في حس أكثر الناس- أنواع مِن البلاء والفتنة أعظم خطرًا عليهم مِن نقص المال أو الجاه أو الصحة أو الحرية، وقد يبتليهم الله بشيء مِن هذا النقص ليعافيهم مِن بلاءات عديدة توشك أن تهلكهم، فيجعل الله لعباده المؤمنين في البلاء عافية، وفي الألم لذة، وفي النقص كمالات ورحمات، وفي الكسر جبرًا، وفي الذل عزًّا ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ . أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ) (البقرة:155-157) ، فنعم العِدلان، ونعمت العلاوة!

وقال -تعالى-: ( ولَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأحزاب قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ) (الأحزاب:22) ، فقالوا: وعدنا ولم يقولوا توعدنا أو حتى أخبرنا، وذلك لأن البلاء فيه عطايا الزيادة مِن الإيمان والإسلام، ومِن صلاح أحوال الباطن والظاهر، ومِن اليقظة مِن الغفلة، وتجديد الحياة للقلب مِن أمراض الحياة الراتبة التي يغرق فيها أكثر قلوب الخلق إلا مَن رحمه الله، حتى يُفتح للقلب نافذة يبصر بها ما كان أمامه ولا يبصره مِن ملكوت السماوات والأرض، ومِن قرب الآخرة وسرعة زوال الدنيا، ومِن آثار عزة الله وقدرته وقهره لعباده حتى يتعافى القلب بأنواع مِن العافية ويُرحم بأنواع مِن الرحمات.

فمن أنواع هذه العافية التي في ضمن البلاء:

- أن يُعَافى الإنسان مِن أن ينظر إلى أن النعم مُستَحقة له بمجرد الوجود، وأنها غير قابلة للسلب مع نسيان الآخرة والحساب، والغفلة عن الشكر؛ مما قد يصل بالمرء إلى الشك في البعث والجزاء كما وقع مِن صاحب الجنتين فقال: ( مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا . وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا ) (الكهف:35-36) ، وأكثر الناس يرون نعم الله عليهم مِن حقوقهم الثابتة التي لو لم يعطوها لكانوا مظلومين فيقولون ذلك بلسان الحال أو المقال، وهذا مِن أعظم أسباب زوال الشكر وعدم تقدير النعمة حق قدرها.

كما أنهم يرون جريان النعم كل يوم، بل كل ساعة مما يقتضي في ظنهم بقاءها إلى الأبد: ( مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا ) فيحصل العجب والكبر، والظن بأن الإنسان هو مصدر النعمة وصاحبها وحتى لو كانت موهوبة له فهو يستحقها وجوبًا وإلزامًا، ( وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى ) (فصلت:50) ، وكما قال قارون: ( إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ) (القصص:78) .

- وكل هذا مِن الكفر والضلال الذي يعافى منه الإنسان بشيء يسير مِن النقص والحرمان يتذكر به أنه لا يملك ولا يستحق ولا يقدر، وأنه في كل لحظة مفتقر إلى ربه ومولاه، كما خلقه يرزقه وينعم عليه ويهبه كرمًا منه وجودًا، ورحمة منه وفضلاً، والله ذو الفضل العظيم.

ومِن أنواع العافية التي في ضمن البلاء أن يعافى الإنسان مِن استصغار النعم وعدم تقديرها، والتعود على وجودها مما يمنع شهودها ثم يمنع شكرها.

ولو تأمل الإنسان كم ذكرنا الله في نعمة الليل والنهار في القرآن لعلم كم نحن مقصرون في شكر هذه النعم: ( وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ) (إبراهيم:33) ، فأكثر الناس لا يعدون الليل والنهار نعمة فلا يشكرونها، وإنما يدرك قدر هذه النعمة مَن حرم منها، كمن وُضع في مكان مغلق لا يرى منه شمسًا ولا قمرًا، ولا يَعرف فيه ليلاً ولا نهارًا، فإذا حُرم الإنسان مِن مثل هذه النعمة برهة مِن الزمن عافاه الله مِن عدم شهودها وعدم شكرها.

وكم ذكرنا الله بنعمة الاستقرار على الأرض: ( أَمَّنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) (النمل:61) ، وإنما يدرك الناس هذه النعمة إذا مادت الأرض بهم وتزلزلت ولو لثوانٍ معدودة، فعندها يدركون قدر هذه النعمة.

وكذلك نعمة الاعتدال: ( يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ . الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ) (الانفطار:6-7) ، ونعمة جريان الدم في العروق حتى يصل إلى أصغر شريان، ثم إلى الشعيرات الدموية التي يتعجب الإنسان مِن صنعها إذا يسر الله له تأملها أو رؤيتها بالأجهزة الحديثة وأنواع الأشعة ونحوها، وهذه الشرايين التي قد لا يزيد قطر الواحد منها عن ملليمتر لو سد شيء منها لتعطلت وظيفة الجزء الذي يغذيه، وربما مات هذا الجزء فاضطربت حياة الإنسان إن كان قلبًا أو مخـًّا أو رئة أو رجلاً أو أذنًا أو عينًا؛ فإذا بالإنسان يفقد ما كان يرفل فيه مِن نعمة كان غافلاً عنها.

الصفحة التالية