شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

مختصر تاريخ تطور مدينة القاهرة (2-2)

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

وقد ساعدت المباني التي شَيَّدَها محمد علي على المزيد من أعمال البناء والتطوير التي امتدت لتصبح أحياء واسعة بعد ذلك، حيث أدخل محمد علي فنون العمارة الأوروبية الحديثة، وخطط لشوارع واسعة، وميادين كبيرة، وحدائق عامة، وبنى قصورًا جميلة، مما زاد من عظمة العمران في القاهرة.

كما أنشأ محمد علي أمام قلعة القاهرة من الناحية الشمالية الغربية من حي الخليفة حاليًا في شارع سكة المحجر مبنى (الدفترخانة) عام 1829م تمهيدًا لعصر التوثيق والحفظ والحَصْر، وهو ما يُعرف بدار المحفوظات العمومية.

القاهرة في عهد الخديوي إسماعيل:

تولَّى الخديوي إسماعيل حكم مصر عام 1863م بعد حكم إبراهيم وعباس وسعيد الذين تولوا حكم مصر بعد محمد علي . وقد واصل الخديوي إسماعيل مسيرة تحديث القاهرة التي بدأها محمد علي، واهتم بمجالات أخرى لم يهتم بها محمد علي قبله. لذا يُلقِّبه البعض بالمؤسس الثاني لمصر الحديثة.

شهدت القاهرة في عهد إسماعيل نهضة معماريَّة واسعة وتوسعًا عمرانيًّا كبيرًا، وتأثُّرًا واضحًا بالعمارة الأوروبية، خاصة الطراز الفرنسي، مما جعل القاهرة تبدو وكأنها (باريس الشرق).

ونظرًا لأن القاهرة القديمة (قاهرة العصور الوسطى) كانت قد ضاقت بمكانها وزمانها، فكان لا بد من التطلع إلى تجاوز حدودها لتمتد خارجها، برغبة من الخديوي إسماعيل ، فصارت لها أبعاد جديدة، خاصة نحو الغرب والشمال من القاهرة القديمة، لتأخذ القاهرة شكلها الحديث من ناحية اتساع الحيز وشكل المعمار والميادين، بالإضافة إلى نظام الحكم والإدارة، أي أصبحت القاهرة قاهرتين جنبًا إلى جنب: القاهرة القديمة والقاهرة الجديدة الحديثة.

أسَّس الخديوي إسماعيل نظامًا نيابيًّا وإداريًّا وسياسيًّا، وشق الترع، وأقام الكباري، وأنشأ الطرق والسكك الحديدية، والبريد.

ولما كان من المتعذر تغيير نسيج القاهرة القديمة، قرر إسماعيل الاتجاه نحو الجانب الغربي من القاهرة لبناء قاهرة خديوية جديدة، وعهد بهذه المهمة الكبيرة للمهندس علي مبارك. وبالنظر إلى ما استجد من مبانٍ وشوارع وجسور في أطراف القاهرة، نجد أنها زادت في عهد إسماعيل بشكل كبير، فاستجدت شوارع في الإسماعيلية (التحرير حاليًا) والفجالة وغيرهما، وبنى كوبري قصر النيل المزين بتماثيل الأسود، وبنى جسر شبرا وجسر أبي العلا وطريق مصر العتيقة، وقد بلغت أطوال الشوارع والحارات الجديدة 280 ألف متر، بمساحة 332 فدانًا تقريبًا، أي ما استجد يقرب من نصف مساحة الحارات القديمة.

بنى إسماعيل قصر عابدين وجعله المقر الرئيسي للحكم بدلًا من قلعة القاهرة، كما بنى قصر القبة الفخم، وقصر الجزيرة، وقصر بولاق الدكرور.

وقد استُحدثت في عهد إسماعيل أول حديقة حيوان، وأول دار أوبرا، وهي تُعَدُّ تحفة معماريَّة مصغرة من دار أوبرا ميلانو بإيطاليا، وأول المسارح، وأول دار للكتب (كتبخانة) التي أُنشئت لتكون أكبر مكتبة في المنطقة، وظهرت المتاحف، لتصبح القاهرة الخديوية مقصدًا للثقافة والاستجمام؛ كما بُنيت أحياء جديدة من أجل الجاليات الأجنبية والمستثمرين الأجانب، ومُنحت أراضٍ للشركات الأجنبية لتقيم عليها أحياء وضواحي جديدة مخططة تخطيطًا جيدًا، فساهم ذلك في إنشاء جزيرة الزمالك، وتخطيط حي جاردن سيتي دائري الشكل وبه حدائق صغيرة على غرار النمط البريطاني، وبُنيت مدينة نصر الجديدة في الجهة الشمالية للقاهرة، وبُني حي المعادي في المنطقة الجنوبية على الطراز الإنجليزي، وأُسست شركة حدائق القبة.

ويُطلق على منطقة قلب القاهرة في فترة الخديوي إسماعيل اسم (القاهرة الخديوية)، والتي تبدأ من كوبري قصر النيل حتى منطقة العتبة.

وقد أثقل الخديوي إسماعيل مصر بالديون الأجنبية نتيجة الإسراف في الاقتراض؛ لأن مشاريعه كانت بتمويل من أوروبا، مما سمح بالتدخل الأجنبي في شؤون البلاد، وأجبر إسماعيل على بيع أسهم قناة السويس نظرًا للديون المتراكمة. وفي عام 1879م، تم عزل الخديوي إسماعيل عن حكم مصر بمرسوم من السلطان العثماني بضغط إنجليزي فرنسي، وتم تعيين ابنه الخديوي توفيق لحكم مصر بدلاً منه. وتم ترحيل إسماعيل إلى الآستانة للإقامة الجبرية فيها حتى وافته المنية هناك.

القاهرة تحت الاحتلال الإنجليزي:

دخلت القوات البريطانية مصر عام 1882م بعد مواجهة مع الجيش المصري بقيادة أحمد عرابي، حيث استقر الجيش الإنجليزي في منطقة العباسية بالقاهرة، وكانت منطقة نائية في ذلك الوقت. ومن خلال نظرة المحتل المستفيد من البلاد، عَمِلَت إنجلترا على الاستفادة من موارد مصر، خاصة خلال الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، فأنشأت العديد من المشروعات لتيسير ذلك، كمشروعات السكك الحديدية وتعبيد الطرق وتوفير شبكة طرق ومواصلات ذات كفاءة عالية تخدم نقل المواد الخام من مصر إلى دول أوروبا. وتم خلال تلك الفترة التوسع في زراعة القطن على حساب باقي الزراعات الأخرى، نظرًا لاهتمام بريطانيا بالقطن المصري، مما أحدث فجوة غذائية في مصر.

القاهرة بعد ثورة يوليو 1952م:

شهدت مصر بعد ثورة يوليو رفع الحماية البريطانية عن مصر، وجلاء القوات البريطانية عن مصر، وتغيُّر نظام الحكم فيها، بإلغاء النظام الملكي وإقامة النظام الجمهوري، مما أدى إلى تغيير جذري في هيكل الحكم والسياسة في مصر. وخاضت مصر عدة معارك في 1956م و1967م و1973م؛ كما شهدت مصر خوض تجارب اقتصادية ومشروعات كبرى، مثل زيادة الرقعة الزراعية واستصلاح أراضٍ صحراوية، من خلال مشروع مديرية التحرير ومشروع الوادي الجديد، وبناء السد العالي؛ كما تم إنشاء مصانع للحديد والصلب والغزل والنسيج وغيرها. وقد شهدت القاهرة تحولات وتوسعات عمرانية كبيرة، بالإضافة إلى إنشاء طرق جديدة، مثل طريق صلاح سالم، وظهور مناطق جديدة مثل مدينة نصر وألف مسكن، وإنشاء مبانٍ مهمَّة مثل مبنى الإذاعة والتلفزيون (في ماسبيرو)، وبرج القاهرة، وإستاد القاهرة الرياضي. كما شهدت القاهرة دخول مترو الأنفاق في عام 1987م كأول مدينة في إفريقيا تدخل فيها هذه الخدمة المتميزة، والتي ساهمت في تسهيل حركة المواطنين وتخفيف الازدحام المروري في القاهرة.

الصفحة السابقة الصفحة التالية