مختصر تاريخ تطور مدينة القاهرة (2-2)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد تَراجَعَتْ مكانة مدينة القاهرة بِسُقوط دولة المماليك في مصر، حيث أصبحت مصر تابعة للدولة العثمانية، وانتقلت دَفَّة الحكم إلى الأتراك في الآستانة، كما فَقَدَت القاهرة ازدهارها التجاري باكتشافات أوروبا الجغرافية للعالم الجديد واستخدام طريق رأس الرجاء الصالح وتحوُّل التجارة العالمية إليه.
القاهرة تحت الحكم العثماني:
كان للدولة العثمانية دَوْرٌ عظيم في حماية بلاد المسلمين وتوسيع حدودها، خاصة جنوب شرق أوروبا، كما قامت برعاية مصالح المسلمين، يتضح ذلك من حجم وكثرة المساجد التي ما زالت موجودة في أوروبا وغيرها.
وكانت إدارة مصر تحت الحكم العثماني في القرن السادس عشر الميلادي والسابع عشر والثامن عشر - الذي شهد في نهايته قدوم الحملة الفرنسية على مصر بقيادة نابليون بونابرت عام 1799م - تتم من خلال والٍ عثماني تُعيِّنه الآستانة يُلقَّب بالباشا، لكن يقيم بقلعة القاهرة التي هي مقر الحكم، يُعيَّن معه كذلك شيخ البلد، وهو من المماليك لمساعدة الوالي، ويُطلق عليه لقب (بك).
ونظرًا لقِصَر مدة هؤلاء الولاة المعينين على مصر في الحكم، إلى جانب وجود فترات من الصراع السياسي بين الباشوات والبكوات، لم تشهد البلاد تطورًا كبيرًا على مدار هذه القرون الثلاث، إذ شهدت القاهرة آثارًا معماريَّة قليلة مقارنة بفترة حكم المماليك التي امتازت بالعمارة الكثيرة والرفيعة. ومن آثار العمارة العثمانية في تلك الفترة: مسجد سنان باشا ، الذي تولى الولاية في مصر مرتين، ويوجد مسجده في حي بولاق، ويُعَدُّ من المساجد المهمَّة المبنية على الطراز العثماني، وكان المسجد يُعَدُّ جزءًا من مجمع يضم سبيلًا وكتابًا للتعليم وثلاث وكالات وجزءًا سكنيًّا وحمامًا عموميًّا، ومسجد الملكة صفية -رحمها الله- في منطقة وسط القاهرة، ومسجد مراد باشا في حي الجمالية، وكذلك مسجد محمد بك أبي الذهب بجوار الجامع الأزهر، الذي بناه أبو الذهب على الطراز المملوكي الذي يخالف ما كان عليه الطراز العثماني من المآذن النحيلة كما في مسجد سنان باشا.
وقد امتزجت التقاليد المملوكية بالعادات والتقاليد العثمانية، واشتهرت في القاهرة خلال تلك الفترة (المقاهي)، حيث عَرَفَت مصر القهوة كمشروب في القرن السادس عشر. وكانت تلك المقاهي مكانًا محببًا لدى رجال القاهرة يرتادونها بكثرة، حتى بلغت تلك المقاهي مع نهاية تلك الفترة العثمانية نحو 1350 مقهى، بما يُعادل مقهى لكل 200 شخص، وذلك طبقًا لما جاء في إحصاءات علماء الحملة الفرنسية. كانت المقاهي بلا أثاث، بها فقط دككات من الخشب، يرتادها كل طبقات الشعب، ويتردد عليها الحكواتية والأراجيز وعرائس الظل والمهرجون لإمتاع الموجودين.
وفي أواخر العصر العثماني، تطوَّرت الكتاتيب والأسبلة التي كانت ملحقة بالمدارس أو تشغل ركنًا من أركان الجامع لتصبح بناءً مستقلًّا، الطابق الأرضي منه سبيلًا لشرب الماء، وأعلاه يوجد الكتاب. ومن هذه الأسبلة: سبيل خسرو باشا، ويقع في منطقة الأزهر، ويُعَدُّ من المنشآت المعماريَّة المهمَّة في العصر العثماني، وسبيل القزلار، وسبيل عبد الرحمن كتخدا، وغيرهم.
القاهرة خلال الحملة الفرنسية:
خلال الفترة القصيرة التي شهدت وجود الحملة الفرنسية في مصر من 1799م إلى 1801م، عَكَفَ علماء الحملة الفرنسية على دِراسة وفحص القاهرة وفحص مصر كلها، وإعداد موسوعة علميَّة دقيقة فريدة متكاملة في وصف مصر وقتها من حيث الموارد والعمائر، وعادات المصريين وتقاليدهم، وغير ذلك.
وقد لَحِقَ القاهرة خلال فترة الحملة الفرنسية القصيرة الكثير من التدمير من خلال اعتداءات الحملة الفرنسية الوحشية لقمع المصريين، حيث دَمَّر الفرنسيون الكثير من أحياء القاهرة والمباني والمساجد لإخماد مقاومة الأهالي، إلى جانب استيلاء قادة الحملة على مجموعة من قصور الأمراء المماليك، كما أخلى الفرنسيون قلعة القاهرة ممن فيها، وثَبَّتوا عليها المدافع لضرب مدينة القاهرة بها. كما أنشأ الفرنسيون بيوتًا للبغاء بالقرب من بحيرة الأزبكية وجعلوها متاحة للجنود الفرنسيين وللمصريين (راجع في ذلك: تاريخ الجبرتي، كتاب (القاهرة) لعبد الرحمن زكي الجزء الثاني) .
القاهرة في عهد محمد علي:
بعد جلاء الحملة الفرنسية عن مصر عام 1801م، تولَّى محمد علي باشا حكم مصر منذ عام 1805م حتى وفاته تحت السلطة الاسميَّة للدولة العثمانية. قام محمد علي بإصلاحات كثيرة في معظم قطاعات الحياة في البلاد من زراعة وصناعة وتجارة وتعليم وصحة، وهي إنجازات كبيرة نَقَلَت مصر إلى العصر الحديث لتحاكي الدول الأوروبية، وتصبح مصر بها دولة قوية اقتصاديًّا وعسكريًّا. وقد شهد عهد محمد علي ازدهارًا معماريًا واسعًا، حيث تم بناء العديد من القصور والمساجد والمنشآت الحكومية والعسكرية على الطراز العثماني وعلى الطراز الأوروبي.
بنى محمد علي (قلعة محمد علي)، وتقع في مواجهة قلعة القاهرة (صلاح الدين) على جبل المقطم بحي الخليفة بالقاهرة. وكانت أسوار القلعة وأبراجها مسلحة بالبنادق والمدفعية قصيرة المدى، ويوجد بالفناء ثكنات للجند، وصهاريج ضخمة لتخزين المياه.
ورغم كون القلعة كانت مقر الحكم في مصر طوال حياة محمد علي، فقد بنى فيها قصر الجوهرة، ويقع قِبلي مسجد محمد علي داخل القلعة. وقد عَمَدَ محمد علي إلى بناء العديد من القصور في أماكن أخرى، فبنى في شبرا قصرًا قريبًا من النيل عام 1809م، وبنى أيضًا قصر الحرم داخل القلعة، ويشغله حاليًا المتحف الحربي القومي.
وقد شَيَّدَ محمد علي جامعه (جامع محمد علي) على مساحة كبيرة داخل قلعة القاهرة (صلاح الدين)، وقد بنى الجامع على طراز معماري عثماني جميل على غرار بناء مسجد السلطان أحمد بالآستانة، وقد دُفِنَ محمد علي في هذا الجامع عند وفاته عام 1849م. كما بنى محمد علي سبيلًا (محمد علي) تصدقًا على روح ابنه الأمير طوسون ، ويقع رأس حارة الروم المتفرعة من شارع المعز لدين الله الفاطمي بوسط القاهرة، وبنى سبيلًا آخر تصدقًا على روح ابنه إسماعيل باشا، ويقع في شارع المعز أمام مدرسة الناصر محمد بن قلاوون بحي وسط القاهرة.
