المستشرقون الجدد.. المراكز البحثية الأمريكية
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
ويُؤَكِّد على خطورة وأهمية تلك المراكز البحثية: أن ما تُقَدِّمه وتَنْشُره علنًا من دراسات وتقارير وأبحاث أعدتها، نجدها بعد سنوات -قلت أو طالت- أصبحت واقعًا عمليًّا واضحًا أمامنا على أرض الواقع؛ تقول مجلة (الإيكونوميست) البريطانية في إحدى افتتاحياتها: (إن أحدًا لم يَعُدْ في مقدوره أن يُنَاقِش أن هذه المراكز أصبحت بذاتها حكومة الظل في أمريكا، بل وتُؤَكِّد أنها الحكومة الحقيقية التي تُصَوِّغ القرار السياسي وتَكْتُبه، ثم تترك مهمة التوقيع للرئيس ومعاونيه الكبار في الإدارة).
وتساهم تلك المراكز البحثية في التأثير على صناعة القرار في السياسة الخارجية الأمريكية من خلال عدة طرق؛ منها:
1- توليد خيارات وأفكار جديدة مبتكرة في السياسة.
2- توفير مجموعة جاهزة ومستعدة من المتخصصين المؤهلين للعمل في الحكومة من الاختصاصيين عند الطلب.
3- توفير مكان للنقاش على مستوى رفيع.
4- تشكيل ثقافة المواطنين الأمريكيين عن العالم.
5- إضافة وسيلة إضافية مكملة للجهود الرسمية للتوسط وحل النزاعات.
وهناك أمور تتعلق بتلك المراكز يجب مراعاتها:
- ينبغي مراعاة عدم استبعاد الدين من التَّوَجُّهات الإستراتيجية الأمريكية، بما فيها تلك المراكز البحثية؛ إذ إن العلمانية في الولايات المتحدة لا تَسْتَبْعِد الدين أو تَنْفِي وجوده كما في المفهوم الشيوعي، فالمحدد الديني هناك عنصر فعال وعلى درجة كبيرة من الأهمية، ومن هنا تنطلق نظرة المسيحية الصهيونية في أمريكا للعالم الإسلامي وللمسلمين، من ضرورة مُعَادَاة ومحاربة الأصوليين المسلمين لكونهم يَرْفُضون القيم الديمقراطية والثقافة الغربية الحديثة، وفي القلب منهم السلفيون، وضرورة دعم المسلمين التقليديين، خاصة الصوفية منهم، وكذلك تقديم الدعم لأولئك المنفتحين من هؤلاء التقليديين ليصلوا إلى مستوى الأصوليين في الحجة والمجادلة. مع تقديم الدعم الانتقائي للعلمانيين في العالم الإسلامي، مع النَّظَر إلى هؤلاء العلمانيين على أنهم أقلية لا يمكن التعويل عليها، وأن منهم علمانيين راديكاليين متأثرين بالأفكار اليسارية المعادية للتوجهات الأمريكية، أما المعتدلون من العلمانيين الذين يَرَوْن فصل الدين عن الدولة فهم الأولى بالدعم والتأييد. ومن هنا ظهرت الدعوات التي تُنَادِي بما يُسَمَّى بالليبرالية الإسلامية، التي تتمثل في العلمانية المعتدلة المتقبلة لقيم الديمقراطية الغربية.
- ينبغي مراعاة أن الولايات المتحدة عادة لا تَتَآمَر في السر، بل تَنْشُر الخطوط العريضة لمؤامراتها على الملأ. فعلى سبيل المثال، قد دار السجال في العلن منذ أيام رئاسة (بوش الأب) في التسعينات حول غزو العراق، وحتى تم تنفيذ ذلك بعد عقد زمني كامل في عهد (بوش الابن)، سُجِّلت الوقائع المتعلقة بذلك في دوريات السياسة الدولية، وفي مؤتمرات، وفي تقارير مراكز الأبحاث، ودُوِّنت في العديد من كتب ومذكرات المسؤولين.
- لم تَزَلْ المراكز البحثية الأمريكية منذ إنشائها تَضَع المنطقة العربية في بؤرة تَرْكِيزها نظرًا لأهميتها الإستراتيجية؛ إذ إن المنطقة موضع الثروة النفطية التي تُعَدُّ قوام الحياة الحديثة، والمنطقة محور المشروع الصهيوني، والمنطقة -قبل ذلك كله- محور الصراع التاريخي بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية.
- تُعَدُّ تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001 نقطة تحول تاريخية نتج عنها تغيير كبير في السياسة الأمريكية لمواجهة تيار -السلفية الجهادية-. ثم كانت ثورة 25 يناير 2011 نقطة تحول أخرى لمواجهة مشاركة تيار من السلفيين وممارستهم العمل السياسي. وهذا ما دفع مراكز البحث الأمريكية إلى القيام بزيارات ميدانية لمصر بعد ثورة يناير لدراسة الحال على الطبيعة عن قرب، وتقدير المواقف، واستشراف المستقبل. إذ إن مراكز البحث والفكر الأمريكية تُعْنَى كثيرًا بمحاولات استشراف المستقبل، فعليها تُبْنَى الولايات المتحدة قراراتها وسياساتها الخارجية. فالمراكز الفكرية الأمريكية لا تَبْنِي سلوكها من فراغ، وإنما هي تَرْصُد وتُحَلِّل الواقع الموجود، وتَسْتَنْتِج مواطن القوة ومواطن الضعف، ثم بناء على تطلعاتها تُحَدِّد وسائل وآليات، وتَرْفَع توصياتها واقتراحاتها لدعم تَوَجُّه وسلوك معين وتَرْك سلوك آخر.
- في الواقع المعاصر تُعْطِي الولايات المتحدة اهتماماتها حول تغيير الإسلام ذاته وحصره في الممارسات التعبدية والعقائد القلبية، مع منع المسلمين من التَّحَرُّك بعقيدتهم لإدارة الحياة. ولعل الدعوة إلى نشر الديانة الإبراهيمية في المنطقة العربية تُعَدُّ صورة واضحة لهذا التَّوَجُّه الأمريكي.
وفي مواجهة هذه الصورة الجديدة من الاستشراق، يحتاج الأمر منا إلى جهود حثيثة للمواجهة، منها:
- العناية بإنشاء ودعم مراكز دراسات إسلامية وعربية.
- العمل على زيادة وعي المسلمين بما يُكْتَب عنهم، وبما يُحَاك ضدهم، وتوقع اتجاهات السياسة الأمريكية، وبالتالي تحذيرهم من الانسياق لتحقيق أهداف الآخرين.
- إنتاج مواد فكرية وإعلامية إسلامية موجهة لباحثي المراكز والإدارات الغربية للتأثير عليهم، أو تصحيح مفاهيمهم الخاطئة لديهم، وكذلك مخاطبة شعوبهم الغربية، فإن هذه المراكز وباحثيها يَفْتَقِدون الكثير عن الفَهْم الصحيح للإسلام والمسلمين، مما يُسَاهِم في زيادة حِرْصهم على تشويه الإسلام ومعاداته.
- متابعة منتجات المراكز الفكرية الغربية عامة، واستلهام الدروس والعبر، وكذلك توخي الحذر منها من خلال النَّظَر المستمر في تقاريرها.
- التحذير المستمر والابتعاد عن الاستدراج أو الوقوع في فخ ما يُسَمَّى بالليبرالية الإسلامية، ومواجهة الدعوات الهدامة إلى ما يُسَمَّى بالديانة الإبراهيمية الجديدة. (للاستزادة، راجع: السلفية بعيون غربية، تأليف: تامر طه بكر، ط. مركز البيان للبحوث والدراسات - الرياض، ط. 1436 هـ) .
